تستقبل مصر، اليوم، رئيس جمهورية الجبل الأسود (مونتينيجرو) ياكوف ميلاتوفيتش، في أول زيارة رسمية له إلى القاهرة، في خطوة تعكس تنامي العلاقات الثنائية بين البلدين وحرص القيادة السياسية على توسيع آفاق التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، خاصة في ظل التقارب المتزايد بين القاهرة ودول منطقة البلقان، والتطور الذي شهدته العلاقات المصرية المونتينيجرية منذ استقلال الجبل الأسود عام 2006.
وتأتي الزيارة في توقيت يشهد اهتمامًا متبادلًا بدفع العلاقات إلى مستويات أكثر تقدمًا، سواء من خلال تعزيز التبادل التجاري، أو تشجيع الاستثمارات، أو تكثيف التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
الجبل الأسود.. دولة أوروبية صغيرة بموقع استراتيجي
تعد جمهورية الجبل الأسود واحدة من أصغر دول منطقة البلقان، إذ تبلغ مساحتها نحو 13.8 ألف كيلومتر مربع، ويصل عدد سكانها إلى نحو 626 ألف نسمة وفق تقديرات عام 2026. وتقع على ساحل البحر الأدرياتيكي، ما يمنحها موقعًا استراتيجيًا مهمًا يربط بين أوروبا الوسطى والبحر المتوسط.
وأعلنت الجبل الأسود استقلالها في 3 يونيو 2006 بعد انفصالها عن اتحاد صربيا والجبل الأسود، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء مؤسساتها السياسية والاقتصادية، وفق نظام جمهوري ديمقراطي برلماني متعدد الأحزاب.
ويغلب على سكان البلاد الانتماء إلى الديانة المسيحية الأرثوذكسية، إلى جانب وجود أقليات مسلمة وكاثوليكية، وهو ما يعكس التنوع الديني والثقافي الذي تتميز به الدولة.
اقتصاد يسعى للاندماج الأوروبي
على الصعيد الاقتصادي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للجبل الأسود نحو 10.23 مليار دولار، بينما يقدر متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي بحوالي 16 ألف دولار سنويًا، وهو من أعلى المعدلات في منطقة غرب البلقان.
وتواصل الحكومة تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومؤسسية واسعة ضمن استعداداتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أولوية رئيسية في السياسة الخارجية للدولة، مع استهداف استكمال إجراءات العضوية بحلول عام 2028.
وسجل الاقتصاد المونتينيجري معدل نمو بلغ 2.7% خلال العام الماضي، مقارنة بـ3.2% في عام 2024، نتيجة تباطؤ قطاع السياحة وتراجع إنتاج الكهرباء، في حين ارتفع الدين العام إلى نحو 64% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ معدل التضخم نحو 4%.
المشهد السياسي في مونتينيجرو
يقود البلاد حاليًا ائتلاف حكومي يضم حركة “أوروبا الآن” ذات التوجه الأوروبي الليبرالي، إلى جانب الأحزاب الصربية وحزب الأقلية الألبانية، بينما تستعد البلاد لإجراء الانتخابات الرئاسية والعامة خلال عام 2027.
كما تواصل الحكومة تعزيز علاقاتها مع المؤسسات الأوروبية، باعتبار أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يمثل الهدف الاستراتيجي الأبرز للسياسة الخارجية، إلى جانب الحفاظ على عضويتها في حلف شمال الأطلسي “الناتو” منذ عام 2017.
علاقات مصر والجبل الأسود.. تعاون متنامٍ منذ الاستقلال
شهدت العلاقات المصرية المونتينيجرية تطورًا ملحوظًا منذ إعلان استقلال الجبل الأسود، وكانت مصر من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة وأقامت معها علاقات دبلوماسية.
وخلال السنوات الماضية، اتسمت العلاقات بالتنسيق السياسي المستمر وتبادل الزيارات بين المسؤولين، فضلًا عن التعاون في المحافل الدولية، حيث يثمن الجانب المونتينيجري الدور المصري المحوري في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وجهود مكافحة الإرهاب، ودعم الأمن والاستقرار الإقليمي.
وتحظى السياسة الخارجية المصرية بتقدير من جانب مونتينيجرو، باعتبارها أحد الأطراف الفاعلة في معالجة أزمات المنطقة، وهو ما ينعكس في استمرار التشاور السياسي بين البلدين.
نمو ملحوظ في التبادل التجاري
اقتصاديًا، تشهد العلاقات التجارية بين البلدين تطورًا تدريجيًا، إذ بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى الجبل الأسود نحو 33.94 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل واردات بلغت نحو 542 ألف دولار فقط، بما يعكس وجود فائض تجاري كبير لصالح مصر.
ويبرز القطاع الخاص المصري كأحد المستثمرين الأجانب المهمين داخل الجبل الأسود، خاصة في عدد من القطاعات الاقتصادية، وهو ما يفتح المجال أمام توسيع حجم الاستثمارات المشتركة خلال المرحلة المقبلة.
كما تمثل الزيارة الحالية فرصة لتعزيز التعاون في مجالات السياحة، والطاقة، والبنية التحتية، والزراعة، والصناعات الغذائية، فضلًا عن تشجيع رجال الأعمال في البلدين على إقامة شراكات جديدة.
توافق سياسي حول القضايا الدولية
تتبنى جمهورية الجبل الأسود مواقف داعمة للشرعية الدولية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث أيدت عددًا من القرارات العربية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الأوضاع في قطاع غزة، كما دعمت تعزيز مكانة دولة فلسطين داخل الأمم المتحدة.
وشاركت كذلك في تقديم مساعدات إنسانية بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والسلطة الفلسطينية، وهو ما يعكس وجود أرضية مشتركة بين القاهرة وبودغوريتسا تجاه العديد من القضايا الدولية.
زيارة تؤسس لمرحلة جديدة
تمثل زيارة الرئيس ياكوف ميلاتوفيتش إلى القاهرة محطة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، إذ تعكس رغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى الجانبين.
ومن المتوقع أن تسهم الزيارة في فتح آفاق جديدة للشراكة الثنائية، سواء عبر زيادة حجم التجارة والاستثمارات، أو من خلال تعزيز التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية والدولية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين ويدعم جهود تحقيق الاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة البلقان.