هوس الترندات.. لماذا يطارد المصريون كل موجة جديدة؟ خبراء يحذرون من التأثير على التفكير والتركيز

كتبت: جهاد علي

لم تكد موجة جديدة من تريندات مواقع التواصل الاجتماعي تنتهي حتى تظهر أخرى تخطف الأنظار، ليجد المستخدم نفسه أمام سباق مستمر لملاحقة كل جديد والمشاركة فيه قبل أن يفقد بريقه ويحل محله تريند آخر.

وخلال الفترة الأخيرة، تنوعت التريندات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي بين عبارات ومقاطع متداولة، وأخرى تعتمد على الصور وإعادة تشكيلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن بينها تريند صور الثمانينات الذي أعاد ملابس وتسريحات وألوان تلك الحقبة إلى واجهة الاهتمام مجددًا.

ورغم اختلاف مضمون كل تريند، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في سرعة الانتشار خلال فترة قصيرة، ثم تراجع الاهتمام بها بمجرد ظهور موجة جديدة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الأسباب التي تدفع المستخدمين إلى ملاحقة هذه الظاهرة بشكل متواصل.

لماذا أصبح الترند جزءًا من الحياة اليومية؟

تطرح ظاهرة هوس الترندات أسئلة تتجاوز حدود التسلية، من بينها: لماذا أصبح المستخدم حريصًا على اللحاق بكل موجة جديدة؟ وهل المشاركة في الترند مجرد وسيلة لكسر الملل، أم أنها ترتبط بالحاجة إلى التفاعل والشعور بالانتماء ومواكبة الآخرين؟

كما تبرز تساؤلات أخرى حول تأثير هذا الإيقاع السريع على الأطفال والمراهقين والشباب، الذين يقضون وقتًا طويلًا على منصات التواصل الاجتماعي، ومدى انعكاس ذلك على اهتماماتهم وقدرتهم على التركيز واختيار المحتوى بعيدًا عن عدد المشاهدات وحجم الانتشار.

جمال فرويز: الإعجابات والتعليقات قد تمنح البعض شعورًا بالوجود

وفي هذا السياق، قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن متابعة تريندات مواقع التواصل الاجتماعي والمشاركة فيها قد ترتبط لدى بعض الأشخاص بـ«نقص عاطفي» بسيط أو مؤقت، يحاول الشخص تعويضه من خلال الحضور والتفاعل على المنصات.

وأوضح أن حصول الشخص على الإعجابات والتعليقات يجعله يشعر بأنه موجود ومتابَع، وهو ما قد يمثل بالنسبة إليه نوعًا من التعويض عن جانب عاطفي يفتقده، مشيرًا إلى أن الشخص قد يشعر من خلال ذلك بأنه «موجود ومتابع كل شيء».

وأضاف فرويز أن جيل الثمانينات يعيش حاليًا مرحلة عمرية وسطى، فلم يعد أفراده يُنظر إليهم باعتبارهم شبابًا كما كان الحال في السابق، وفي الوقت نفسه لا يرون أنفسهم ضمن فئة كبار السن، وهو ما قد يتزامن لدى البعض مع ما يعرف بصدمة منتصف العمر.

تريند صور الثمانينات.. لماذا تعود النوستالجيا؟

وأشار استشاري الطب النفسي إلى أن فترة الثمانينات كانت مرحلة مختلفة في المجتمع المصري، وشهدت حالة من الانفتاح والتغيرات الفكرية، معتبرًا أن الانفتاح الذي بدأ في أواخر السبعينات واستمر خلال الثمانينات منح هذه الفترة حضورًا خاصًا في الذاكرة الجمعية.

وأوضح أن اللجوء إلى «النوستالجيا» قد يرتبط بالضغوط الحياتية التي يعيشها الإنسان في الوقت الحالي، فيبحث عن فترة يعتقد أنه كان يمكن أن يكون أكثر سعادة لو عاشها، حتى وإن لم يعش تفاصيلها بالفعل.

وأضاف أن الإنسان غالبًا ما يستعيد الجانب الجميل من الماضي، لأنه لا يعيش بالضرورة مشكلاته اليومية وتفاصيله الصعبة، موضحًا أن «التاريخ لا يكتب إلا السطور»، بينما من عاش فترة الثمانينات يعرف أنها كانت تحمل أيضًا العديد من المشكلات.

وأكد فرويز أن الشعور بالنوستالجيا في حد ذاته ليس مشكلة، فمن الطبيعي أن يشارك الشخص صورة أو محتوى يستعيد من خلاله زمنًا أو ذكرى معينة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحنين إلى الماضي إلى أسلوب حياة، فيعيش الإنسان فكريًا وسلوكيًا في عصر غير عصره.

متى يتحول متابعة الترند إلى هوس؟

وشدد استشاري الطب النفسي على أن متابعة الترندات يمكن أن تتحول من سلوك طبيعي إلى حالة من التعلق أو الهوس بالتفاعل، عندما يتعايش الشخص معها بصورة مبالغ فيها وتبدأ في التأثير على حياته الطبيعية.

وأشار إلى أن التعايش مع الحياة الواقعية والمرحلة الزمنية التي يعيشها الإنسان هو الأنسب، محذرًا من أن العيش بصورة مبالغ فيها داخل مرحلة زمنية مختلفة عن الواقع الحالي قد يكون مؤشرًا على وجود مشكلة نفسية تحتاج إلى الانتباه إليها.

عاصم حجازي: ثقافة الترند تهدد استقلالية التفكير

من جانبه، قال الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، إن ثقافة الترند في حد ذاتها تهدد استقلالية التفكير واستقلالية اتخاذ القرار لدى شباب الغد، معتبرًا أنها يمكن أن تصبح من أدوات التأثير النفسي، لأنها قد تدفع الفرد إلى تبني أفكار الآخرين دون فحص أو تفكير مستقل.

وأوضح حجازي أن التحكم في أعداد الإعجابات والمشاركات، إلى جانب آليات ترشيح المحتوى ونشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، قد يجعل الترند وسيلة مؤثرة في توجيه الرأي العام، من خلال دفع المستخدمين نحو قضايا فرعية وهامشية تستهلك جانبًا من طاقاتهم واهتمامهم.

وأضاف أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى ما وصفه بـ«قولبة التفكير وتأطيره»، بما يحد من قدرة الشباب على الاحتفاظ بخصائصهم الفردية والمميزة، ويؤثر في الإبداع الذي يعتمد على القدرة على التفكير بصورة مختلفة والخروج من القوالب الجامدة.

تأثير الترندات على الطلاب والتحصيل الدراسي

وأشار أستاذ علم النفس التربوي إلى أن التأثير قد يمتد إلى التحصيل الدراسي، إذ قد يصبح الطالب أكثر ميلًا إلى التعامل السطحي مع المعلومات، والانتقال السريع من معلومة إلى أخرى ومن درس إلى آخر دون التعمق الكافي في الفهم.

كما قد يؤدي الاعتماد المفرط على المحتوى السريع إلى زيادة التأثر بتفسيرات الآخرين، والتراجع في الثقة بالقدرة على الفهم والتحليل، إلى جانب احتمالية تشكل بنية معرفية مشوشة نتيجة التعرض المستمر لمعلومات غير دقيقة أو غير مكتملة.

دور الأسرة والمدرسة في مواجهة هوس الترندات

وعن دور الأسرة والمدرسة، أكد حجازي ضرورة تعزيز استقلالية الأبناء في الفهم واتخاذ القرار، وتنمية مهارات التصفح الناقد للمواقع الإلكترونية، إلى جانب تعليمهم كيفية التفاعل الإيجابي مع المنشورات الرقمية والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل.

وشدد على أهمية تعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم، وتحفيزهم على التفكير وإعمال العقل، وترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مع الاهتمام بالمناقشات الحضورية داخل الأسرة والمدرسة.

وبين الحنين إلى الماضي والسعي وراء كل جديد، تكشف ظاهرة الترندات عن تغير واضح في طريقة استهلاك المحتوى الرقمي، حيث لم يعد الانتشار مجرد نتيجة للمحتوى، بل أصبح في أحيان كثيرة هدفًا يسعى المستخدم إلى المشاركة فيه، وهو ما يجعل الوعي بطريقة التعامل مع منصات التواصل ضرورة خاصة لدى الأجيال الأصغر سنًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى