رغم أن عدد سكان النرويج لا يتجاوز نحو 5.6 مليون نسمة، نجحت البلاد في ترسيخ مكانتها بسوق الصناعات الدفاعية العالمية، من خلال تطوير منظومات عسكرية متقدمة، يأتي في مقدمتها صاروخ «JSM» (Joint Strike Missile)، المصمم لمهاجمة الأهداف البحرية والبرية المحمية.
وتعكس هذه التجربة نموذجا مختلفا في بناء القوة العسكرية، إذ لم تعتمد النرويج على ضخامة قواتها المسلحة أو الميزانيات الدفاعية الهائلة، وإنما ركزت على تطوير تقنيات متخصصة وعالية القيمة، تمنح قواتها الجوية قدرات عملياتية متقدمة، وتتيح لصناعاتها الدفاعية منافسة كبرى الشركات العالمية.
قدرات متقدمة وبصمة رادارية منخفضة
يتميز صاروخ «JSM» بتصميم يقلل بصمته الرادارية، إلى جانب قدرته على الطيران على ارتفاعات منخفضة للحد من فرص اكتشافه واعتراضه. كما يمتلك أنظمة ملاحة متطورة تتيح له تغيير مساره أثناء الطيران، بما يساعده على الوصول إلى أهدافه بدقة عالية.
ويتجاوز مدى الصاروخ 550 كيلومترا، وفقا لبعض التقديرات والتكوينات المعلنة، ما يمنحه قدرة على تنفيذ هجمات من مسافات بعيدة، ويعزز فاعليته في استهداف المواقع البحرية والبرية المحمية.
تكامل مع مقاتلات إف-35
وتكتسب المنظومة أهمية إضافية من تصميمها للتكامل مع مقاتلات الجيل الخامس «إف-35»، بما يسمح بالاستفادة من قدرات التخفي والاستشعار والرصد المتقدمة للطائرة، إلى جانب الإمكانات الهجومية للصاروخ، وهو ما يوفر خيارا متطورا لتنفيذ الضربات الجوية بعيدة المدى.
ولم يقتصر الاهتمام بالصاروخ على القوات المسلحة النرويجية، إذ حظي باهتمام عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وأستراليا، بما يعكس تنامي الاهتمام بالمنظومات الصاروخية المتطورة، وقدرة الصناعات الدفاعية النرويجية على المنافسة في سوق تهيمن عليها شركات أمريكية وأوروبية كبرى.
درس للدول العربية في توطين الصناعات الدفاعية
وتقدم التجربة النرويجية نموذجا في تطوير الصناعات الدفاعية، يؤكد أن بناء قاعدة صناعية عسكرية مؤثرة لا يتطلب بالضرورة امتلاك ميزانية دفاعية ضخمة أو إنتاج جميع أنواع الأسلحة، بل يمكن تحقيقه من خلال التركيز على مجالات تكنولوجية محددة، والاستثمار طويل الأمد في البحث والتطوير، وتأهيل الكفاءات الوطنية.
وتتيح هذه التجربة للدول العربية الاستفادة من نموذج صناعي يمكن البناء عليه، خاصة في ظل امتلاك العديد منها مقومات مالية وعلمية وهندسية، إلى جانب الكوادر الشابة والأسواق المحلية الكبيرة، والطلب المتزايد على الأنظمة العسكرية المتطورة.
ومن خلال توجيه الاستثمارات نحو البحث والتطوير، وتعزيز الشراكات الصناعية ونقل التكنولوجيا، وتوطين تصميم وإنتاج المنظومات الاستراتيجية، يمكن تحويل الاحتياجات الدفاعية إلى فرص لبناء قدرات صناعية وطنية مستدامة.
ولا يقتصر هذا التوجه على تلبية احتياجات القوات المسلحة محليا، بل يمتد إلى تطوير منتجات قادرة على دخول الأسواق الدولية ومنافسة الموردين التقليديين، بما يعزز الاستقلالية التقنية ويرفع القيمة المضافة للاقتصادات العربية، ويفتح المجال أمام تحول المنطقة من سوق رئيسية لاستيراد السلاح إلى شريك في تطويره وإنتاجه وتصديره.