مقالات مقال رأي

الرفاعي عيد يكتب: السياسة ليست كرة قدم

5 نوفمبر 2026 15:30
“
وجهة نظر

السياسة ليست مباراة كرة قدم، ولا يجب أن تتحول إلى مدرجين يهتف كل منهما لفريقه مهما فعل. حين ننقل منطق التشجيع إلى المجال السياسي، تصبح الفكرة أقل أهمية من صاحبها، ويصبح القرار جيدًا فقط لأنه جاء من الطرف الذي نؤيده، وسيئًا فقط لأنه جاء من الطرف الذي نرفضه.

في كرة القدم يمكن للمشجع أن ينحاز بالكامل لفريقه، لأن طبيعة اللعبة تقوم على الفوز والخسارة. أما السياسة فتتعامل مع مصالح عامة، وقرارات تمس الناس جميعًا، ولذلك لا يكفي أن نختار فريقًا ونغلق باب التفكير.

الانحياز العاطفي يجعل الإنسان يدافع عن أخطاء كان سيرفضها لو صدرت عن الطرف الآخر. وهذه واحدة من أخطر نتائج الاستقطاب، لأن المعيار يتغير بتغير الاسم لا بتغير الفعل.

السياسة تحتاج إلى مواطن يستطيع أن يقول نعم لهذا القرار ولا لقرار آخر، حتى لو صدر الاثنان من الجهة نفسها. القدرة على الفصل بين الشخص والسياسة هي علامة نضج، لا تناقض.

كما أن الطرف السياسي ليس ناديًا يجب أن نحبه إلى الأبد. المواقف تتغير، والبرامج تتغير، والظروف تتغير، ومن الطبيعي أن يراجع الإنسان رأيه عندما تظهر معلومات جديدة.

المشكلة أن ثقافة التشجيع تحوّل تغيير الرأي إلى خيانة. الشخص الذي كان يؤيد موقفًا ثم عدله يُتهم بأنه متقلب، بينما قد يكون فقط تعلم شيئًا جديدًا.

السياسة ليست كرة قدم لأن الهدف فيها ليس هزيمة الفريق الآخر بأي ثمن. الهدف المفترض هو إدارة المصالح العامة والوصول إلى قرارات أفضل.

حين تتحول المنافسة إلى كراهية، يخسر المجتمع حتى لو فاز فريق سياسي مؤقتًا.

المجال العام يحتاج إلى قواعد تحفظ الاختلاف، وإلى جمهور لا يكافئ الصراخ وحده.

المواطن ليس مشجعًا في مدرج، بل صاحب مصلحة حقيقية في النتيجة.

ولذلك يجب أن يسأل عن الأداء لا عن الشعار، وعن الأثر لا عن الهوية، وعن النتائج لا عن الحماس.

السياسة تصبح أكثر عقلانية عندما نتوقف عن التعامل معها كديربي دائم، ونبدأ في التعامل معها باعتبارها إدارة لحياة مشتركة لا يمكن أن تنجح بمنطق المنتصر والمهزوم فقط.

ومن المهم أن نفرق في كل هذه القضايا بين التحليل والتأييد أو الرفض. الفكرة الجيدة يجب أن تُفحص بمعايير واضحة، والشخص أو المؤسسة لا ينبغي أن يحصل على حصانة من السؤال. كلما ابتعد النقاش عن الشخصنة واقترب من الوقائع، أصبح المجال العام أكثر قدرة على التعلم والتصحيح.

وفي النهاية، الوعي السياسي لا يعني تبني موقف واحد، بل امتلاك أدوات تساعد على تكوين موقف مستقل: معلومات موثوقة، قدرة على المقارنة، واستعداد لمراجعة الرأي إذا تغيرت الوقائع. هذه الأدوات هي ما يحول المواطن من مشجع إلى شريك حقيقي في المجال العام.

ومن المهم أن نفرق في كل هذه القضايا بين التحليل والتأييد أو الرفض. الفكرة الجيدة يجب أن تُفحص بمعايير واضحة، والشخص أو المؤسسة لا ينبغي أن يحصل على حصانة من السؤال. كلما ابتعد النقاش عن الشخصنة واقترب من الوقائع، أصبح المجال العام أكثر قدرة على التعلم والتصحيح.

AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.