مقالات مقال رأي

عيد أحمد عيد يكتب: لماذا يبدو الأزهر تابعًا لا متبوعًا في تطوير التعليم؟

23 سبتمبر 2026 01:12
وجهة نظر

ليس المقصود بهذا العنوان الانتقاص من الأزهر الشريف، ولا التشكيك في مكانته؛ فالأزهر أكبر من أن يكون محل خصومة، وأعمق من أن تُختزل رسالته في قرار تعليمي أو لائحة دراسية.

لكن هناك سؤالًا يفرض نفسه، ويستحق أن يُطرح بهدوء وموضوعية:

لماذا يبدو الأزهر، في كثير من الأحيان، متأثرًا بالسياسات التعليمية التي تبدأ في وزارة التربية والتعليم، بدلًا من أن يكون صاحب رؤية مستقلة تُوضع في الاعتبار منذ البداية عند صياغة السياسة التعليمية في مصر؟

السؤال يزداد أهمية عندما نتحدث عن التعليم الأزهري.. فالأزهر ليس مجرد مجموعة مدارس تتحرك وفق منظومة التعليم العام، وإنما مؤسسة لها تنظيمها القانوني وهيئاتها التعليمية الخاصة. وقد نظم القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها منظومة الأزهر ومؤسساته، وظل هذا الإطار القانوني قائمًا مع ما طرأ عليه من تعديلات.

ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل: إذا كان للأزهر قانون خاص، وهيئات خاصة، وقطاع مستقل للمعاهد الأزهرية، ومناهج شرعية وعربية تميزه عن التعليم العام، فلماذا تبدأ بعض مشروعات الإصلاح التعليمي في وزارة التربية والتعليم، ثم نجد التعليم الأزهري يتحرك لاحقًا في الاتجاه نفسه؟

البكالوريا نموذجًا

خذوا مثالًا واضحًا نظام البكالوريا، حيث طرحت وزارة التربية والتعليم نظام البكالوريا المصرية في إطار تطوير المرحلة الثانوية، على أساس تقليل عدد المواد الدراسية، وإتاحة فرص امتحانية متعددة أمام الطالب، وتنظيم الدراسة من خلال مسارات أكثر مرونة.

ثم وافق المجلس الأعلى للأزهر في يوليو 2026 على تطبيق نظام البكالوريا في التعليم الأزهري اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027، مع وضع الضوابط والإجراءات التنفيذية المناسبة لطبيعة التعليم الأزهري، والتأكيد على استمرار تدريس المواد الشرعية والعربية والحفاظ على خصوصية المناهج الأزهرية.

وفي سبتمبر 2026 أعلن قطاع المعاهد الأزهرية أن النظام يتضمن ثلاثة مسارات تفتح أمام الطلاب مجالات أوسع للاختيار والتخصص الجامعي.

وهنا لا أسأل: هل البكالوريا جيدة أم سيئة؟ فهذا موضوع آخر تمامًا، ولست بصدد التقييم .. وإنما أسأل: هل كان ينبغي أن تأتي البكالوريا الأزهرية استجابة لنظام ظهر أولًا في التعليم العام، أم كان ينبغي أن تكون للأزهر رؤيته الخاصة، التي تفرض نفسها باعتبارها أحد المكونات الرئيسية لأي تصور قومي لإصلاح التعليم؟

فالاختلاف بين التعليم العام والتعليم الأزهري ليس اختلافًا في اسم المدرسة فقط.

هناك اختلاف في الرسالة، وطبيعة المناهج، وتكوين الطالب، والغاية من العملية التعليمية.

طالب التعليم العام يتلقى تعليمًا عامًا بالأساس، بينما يتلقى الطالب الأزهري، إلى جانب العلوم الثقافية، منظومة واسعة من العلوم الشرعية والعربية التي تمثل جزءًا أصيلًا من هويته وتكوينه العلمي.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

لماذا يطبق الأزهر البكالوريا؟

بل:

لماذا لا تكون للأزهر دائمًا مبادرة مستقلة في تطوير التعليم، بحيث يمتلك نظامه وفلسفته ورؤيته، ثم يحدث التنسيق بعد ذلك مع الدولة ووزارة التربية والتعليم حيثما يلزم؟

الخصوصية موجودة.. ولكن

وللإنصاف، فإن الأزهر عندما أعلن تطبيق نظام البكالوريا لم يعلن نقل التجربة بصورة حرفية.

بل أكد بوضوح الحفاظ على العلوم الشرعية والعربية، وعلى خصوصية المناهج الأزهرية، ووضع ضوابط تتناسب مع رسالة التعليم الأزهري.

وهذا أمر مهم ولا يمكن تجاهله.

لكن يبقى السؤال الأكبر قائمًا:

هل المطلوب أن يتحرك الأزهر خلف مسار التطوير التعليمي العام، أم أن يكون أحد صانعي فلسفة التعليم في مصر منذ البداية؟

الأزهر، بحكم تاريخه ومكانته العلمية، ليس مؤسسة تعليمية عادية.

واستقلال التعليم الأزهري لا يعني الانفصال عن الدولة، ولا يعني رفض التطوير، ولا مخالفة السياسة التعليمية العامة.

إنما يعني أن تكون للأزهر رؤيته التعليمية الخاصة، وأن تنطلق قراراته أولًا من احتياجات الطالب الأزهري ورسالة التعليم الأزهري، ثم يأتي التنسيق مع بقية مؤسسات الدولة.

ليس عيبًا أن يستفيد الأزهر من تجربة ناجحة في التعليم العام إذا أثبتت صلاحيتها.

لكن المشكلة تبدأ ـ إن صح التعبير ـ عندما يصبح السؤال الدائم:

ماذا فعلت التربية والتعليم؟

بدلًا من أن يكون السؤال:

ماذا يحتاج التعليم الأزهري؟

الأزهر الذي كان ولا يزال تاريخيًا منارة للعلم والمعرفة، ومرجعًا في علوم الدين واللغة، جدير بأن تكون له فلسفته التعليمية الواضحة والمستقلة.

نحن لا نريد أزهرًا منعزلًا عن الدولة.

ونحن أيضًا لا نريد أزهرًا يعارض كل جديد لمجرد المعارضة.

نريد أزهرًا شريكًا كاملًا في صناعة التعليم، صاحب رؤية، وصاحب مبادرة، وصاحب تصور يليق بتاريخه ودوره.. فإذا كانت الدولة تريد تطوير التعليم، فليكن الأزهر حاضرًا في صناعة هذا التطوير منذ بدايته، لا مجرد متلقٍ لما انتهت إليه مؤسسات أخرى.

وإذا ظهرت فكرة تعليمية جديدة، فليكن السؤال: كيف يطورها الأزهر بما يناسب طبيعته ورسالته؟

لا: كيف يطبق الأزهر ما طبقته التربية والتعليم؟

والسؤال، في النهاية، ليس عن البكالوريا وحدها، إنه سؤال عن مكانة التعليم الأزهري داخل منظومة التعليم المصرية بأكملها، وهل يتمتع الأزهر باستقلال تعليمي حقيقي يسمح له بصناعة رؤيته؟

أم أننا، مع مرور الوقت، جعلنا التعليم الأزهري يتحرك في ظل التعليم العام، بدلًا من أن يتحرك بجواره، محتفظًا بخصوصيته ورسالته؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُفتح للنقاش.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.