كتب/ محمد شبل
في ذكرى تحرير سيناء، تستعيد مصر واحدة من أهم لحظات الكرامة الوطنية، حين رُفع العلم المصري على أرض سيناء بعد استكمال انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، لتُطوى صفحة طويلة من الصراع العسكري والدبلوماسي.
وتكشف مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي، الصادرة بعنوان “يوميات مقاتل في حرب 1973″، عن كواليس دقيقة في مسار الانتقال من الحرب إلى المفاوضات، والتي بدأت ملامحها عقب حرب أكتوبر 1973.
لقاءات ما بعد الحرب وبداية التفاوض
يروي الجمسي في مذكراته أنه تلقى دعوة من الرئيس الراحل أنور السادات للاجتماع في استراحة بالإسماعيلية، بحضور عدد من المسؤولين، حيث أُبلغ بترتيب لقاء مع وزير الدفاع الإسرائيلي عيزرا وايزمان، بهدف وضع أسس العلاقات العسكرية في مرحلة السلام.
ويشير إلى أن اللقاء لم يتناول تفاصيل استراتيجية المفاوضات، بل ركز على الأطر العامة لما بعد الحرب، في ظل مرحلة سياسية شديدة الحساسية بين الجانبين.
تأمين الموقف المصري وكشف النوايا
ويضيف الجمسي أنه قبل بدء اللقاءات راجع مجموعة من الدراسات العسكرية حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، مع التركيز على تأمين الحدود المصرية وخاصة سيناء، باعتبارها منطقة استراتيجية تمثل تهديدًا أمنيًا مباشرًا.
كما ركز الجانب المصري على اختبار نوايا إسرائيل تجاه الانسحاب من سيناء، في ظل تمسكها آنذاك ببقاء الاحتلال بعد عام 1967.
كواليس شخصية عن وايزمان
وتكشف المذكرات تفاصيل عن شخصية عيزرا وايزمان، الذي شغل مناصب عسكرية رفيعة داخل الجيش الإسرائيلي، قبل أن يتجه للعمل السياسي ويصبح أحد أبرز صناع القرار في إسرائيل، مع خلفية صهيونية وارتباط وثيق بتأسيس الدولة الإسرائيلية.
ويشير الجمسي إلى أن المعلومات الاستخباراتية حول وايزمان كانت محل دراسة دقيقة قبل بدء المفاوضات، خاصة مع حضوره إلى مصر عبر ترتيبات دولية.
صدمة خط بارليف
وفي شهادة لافتة، نقل وايزمان في مذكراته شعوره أثناء مشاهدة تدمير خط بارليف، واصفًا المشهد بأنه صادم ومؤلم، مع اعترافه بالخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر.
ويؤكد الجمسي أن هذا الانتصار العسكري كان نقطة تحول حاسمة مهدت لمسار السلام، بعد أن أثبتت القوات المسلحة المصرية قدرتها على تحطيم أحد أقوى خطوط الدفاع في تاريخ إسرائيل.
من الحرب إلى استعادة الأرض
ويختتم السرد بالإشارة إلى أن نجاح العبور في أكتوبر 1973 كان البداية الفعلية لمسار طويل من المفاوضات السياسية، انتهى باستعادة كامل أرض سيناء ورفع العلم المصري عليها، لتبدأ مرحلة جديدة من التنمية والاستقرار.
وتبقى هذه الشهادات التاريخية دليلًا على أن استعادة الأرض لم تكن فقط نتيجة معركة عسكرية، بل ثمرة تخطيط دقيق وتفاوض طويل، جمع بين قوة السلاح وحكمة القرار السياسي.