في الوقت الذي تنشغل فيه كثير من الأسر بشراء الهدايا وكتابة كلمات الامتنان في عيد الأم، تعيش فئة أخرى من الأمهات يومًا لا يختلف كثيرًا عن غيره، بل قد يكون أكثر إرهاقًا. فبين ضغوط المعيشة ومسؤوليات المنزل، تتحول ساعات اليوم إلى سباق مفتوح لا ينتهي، تسعى خلاله الأم لتوفير دخل إضافي يلبي احتياجات أسرتها.
في الشوارع والأحياء الشعبية، تتجسد نماذج حقيقية لأمهات يبدأ يومهن قبل شروق الشمس، ولا ينتهي إلا في ساعات متأخرة من الليل. تعمل إحداهن صباحًا في وظيفة ثابتة، ثم تلحقها بعمل إضافي، سواء في التنظيف أو البيع أو إعداد الطعام المنزلي، لتأمين متطلبات الأبناء من تعليم وغذاء وعلاج، بينما تبقى مسؤوليات المنزل قائمة دون توقف.
في كثير من الحالات، تبدأ الأم يومها مبكرًا بالتوجه إلى عملها الأساسي، سواء في شركة أو محل أو جهة خدمية، ثم تعود لتبدأ مرحلة جديدة من العمل داخل المنزل، مثل إعداد الطعام وبيعه، أو تنفيذ أعمال بسيطة مقابل دخل إضافي. كما تعتمد بعض الأمهات على مهاراتهن الشخصية، كالحياكة أو إعداد الحلويات، لتحويلها إلى مصدر دخل، خاصة خلال ساعات المساء، التي تتحول إلى امتداد ليوم عمل طويل.
وفي نماذج أخرى، تلجأ بعض السيدات إلى أعمال غير منتظمة، مثل تنظيف المنازل أو رعاية الأطفال، وهي وظائف تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا وتفتقر غالبًا إلى الاستقرار.
أما الأمهات المعيلات، فيتحملن العبء الأكبر، إذ تقع عليهن مسؤولية الإنفاق الكامل على الأسرة، ما يدفعهن إلى الجمع بين أكثر من عمل في الوقت ذاته، إلى جانب إدارة شؤون المنزل ورعاية الأبناء، في معادلة صعبة تفرض ضغوطًا مستمرة.
ووفقًا لتقارير منظمة العمل الدولية، تتحمل النساء عبئًا مضاعفًا يجمع بين العمل خارج المنزل ومسؤوليات الرعاية داخله، ما يجعل ساعات عملهن الفعلية أطول، حتى وإن لم يظهر ذلك بشكل رسمي. هذا الواقع يدفع كثيرًا منهن إلى القبول بوظائف إضافية أو غير مستقرة لتغطية النفقات الأساسية.
تحذيرات من آثار نفسية وجسدية
يحذر متخصصون في الصحة النفسية من تداعيات هذا النمط من الحياة على المرأة، حيث يؤدي العمل المتواصل وتعدد المسؤوليات إلى ضغوط نفسية مستمرة.
وأوضح وليد هندي أن الجمع بين أكثر من وظيفة مع تحمل المسؤوليات المنزلية يضع المرأة تحت ضغط دائم قد يتطور إلى إجهاد مزمن، مشيرًا إلى أن هذه الضغوط تزيد من احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات النوم.
وأضاف أن الإرهاق المستمر قد يصل إلى مرحلة الاحتراق النفسي، ما يؤثر على قدرة المرأة على التركيز والتفاعل مع محيطها، إلى جانب تأثيرات جسدية تشمل آلام العضلات وضعف المناعة ومشكلات الجهاز الهضمي، فضلًا عن ارتفاع ضغط الدم على المدى الطويل.
وأكد أن استمرار هذه الضغوط دون الحصول على دعم نفسي وفترات راحة كافية ينعكس سلبًا على جودة الحياة، مشددًا على أهمية توفير بيئة داعمة تساعد المرأة على التوازن بين متطلبات العمل والحياة.
ما وراء الهدايا.. قصص كفاح لا تُرى
في عيد الأم، قد تكون الهدايا والورود تعبيرًا بسيطًا عن الامتنان، لكنها لا تعكس حجم التحديات التي تواجهها كثير من الأمهات يوميًا. فهناك من لا تنتظر الاحتفال بقدر ما تحتاج إلى من يقدّر ما تتحمله من أعباء.
وبين زحام الحياة، تظل قصص هؤلاء الأمهات شاهدة على كفاح صامت لا يُرى، ما يستدعي تسليط الضوء عليه، ليس فقط في يوم واحد، بل باعتباره واقعًا يوميًا يستحق التقدير والدعم.