تكشف مساحات التعليقات على الأخبار المتعلقة بقضايا العنف ضد النساء عن جانب آخر من التعامل مع هذه الوقائع، لا يرتبط فقط بموقف المتابعين من الجريمة، وإنما يمتد إلى اللغة المستخدمة في تفسيرها، وتحديد المسئولية عنها، والنظر إلى الضحية والأطراف المرتبطة بالواقعة.
وفي قضية مقتل الطفلة «آ ر»، ظهر تباين واضح في أنماط التفاعل مع الخبر، بين التعاطف مع الضحية وإدانة قتلها من جهة، وتبرير الفعل أو تأييده وتحميل الضحية أو أطراف أخرى مسئولية ما حدث من جهة أخرى.
وفي محاولة لرصد هذه الظاهرة وتفسيرها من جانب المختصين، جرى رصد عينة عشوائية من التعليقات المنشورة على أخبار الواقعة في صفحات بعض الصحف المصرية، مع اختيار التعليقات التي تضمنت تحريضًا صريحًا أو تشجيعًا واضحًا للعنف، وفق مفهوم الميسوجينيا الإلكترونية، وهي كراهية النساء والتحيز ضدهن عبر الفضاء الرقمي.
ولم يتم اختيار التعليقات وفقًا للسن أو النوع الاجتماعي أو أي خصائص ديموغرافية أخرى، كما لا يعني هذا الرصد أن التعليقات تعكس اتجاهات المجتمع ككل، وإنما يسلط الضوء على أنماط من الخطاب ظهرت داخل مساحة التعليقات، بهدف التعرف إلى أبرز أشكال التفاعل مع الواقعة، وليس قياس اتجاهات الرأي العام بصورة عامة.
417 تعليقًا تكشف تعدد أنماط التفاعل
ضم الرصد 417 تعليقًا جرى جمعها من 5 منصات إعلامية مصرية، ومن بين 292 تعليقًا انطبقت عليها الفئات الثلاث الرئيسية محل المقارنة، جاءت التعليقات التي تبرر أو تؤيد فعل القتل في المرتبة الأولى بواقع 124 تعليقًا، أي نحو 43% من هذه المجموعة.
في المقابل، بلغ عدد التعليقات التي عبرت عن التعاطف مع الضحية 97 تعليقًا بنسبة 33%، بينما سجلت التعليقات التي تضمنت إدانة صريحة لفعل القتل 71 تعليقًا بنسبة 24%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تبرير أو تأييد فعل القتل كان حاضرًا بقوة داخل التعليقات المرصودة، لكنه لم يكن الاتجاه الوحيد؛ إذ شكل التعاطف مع الضحية وإدانة قتلها معًا نحو 57% من التعليقات المصنفة ضمن الفئات الثلاث.
وبجانب الفئات الرئيسية، أظهر الرصد أنماطًا أخرى من التفاعل، إذ جرى تصنيف 55 تعليقًا باعتبارها تحريضًا ضد الضحية، بينما تضمنت 7 تعليقات تحريضًا ضد الطرف الثالث المرتبط بالقضية، وهو الشاب المتهم بالاعتداء على الطفلة.
كما تضمنت العينة 27 تعليقًا رفض أصحابها نشر أو تداول القضية، في حين صُنفت 35 تعليقًا ضمن فئة «غير منطبق»، لعدم انطباق معايير التصنيف المحددة عليها، وكانت في الأغلب تعليقات غير مرتبطة بالقضية، ومنها إعلانات من أفراد لصفحاتهم أو عبارات دينية لا تتعلق بالتعاطف مع الضحية.
مفردات «الرجولة» تفتح بابًا لتبرير العنف
تعكس النتائج تعدد مسارات التفاعل مع القضية داخل مساحة التعليقات؛ فإلى جانب التعاطف والإدانة، ظهرت تعليقات تتعامل مع الواقعة من زاوية تبرير فعل القتل، وأخرى تنقل النقاش إلى مسئولية الضحية أو أطراف أخرى.
ويكشف تكرار مفردات مثل «راجل» و«دكر» عن حضور خطاب يستدعي تصورات مرتبطة بالذكورة والرجولة عند التعامل مع النساء في بعض جوانب الواقعة، حيث بلغت نسبة تكرار الكلمتين 19.4% من إجمالي التعليقات.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين رصد مضمون التعليقات وبين اعتبارها تعبيرًا مباشرًا عن موقف المجتمع ككل؛ فالعينة اقتصرت على تعليقات منشورة على أخبار القضية في منصات إخبارية محددة، ولا تمثل بالضرورة جميع المتابعين أو مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أن ارتفاع نسبة فئة معينة داخل العينة لا يعني أن أصحاب هذا الاتجاه يمثلون النسبة نفسها من الجمهور العام، وإنما يعكس طبيعة الخطاب الذي ظهر في التعليقات التي جرى رصدها وتحليلها.
وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من أن التعليقات لا تناقش الجريمة وحدها، وإنما تكشف أيضًا عن الطريقة التي يتعامل بها بعض المستخدمين مع قضايا تتداخل فيها مفاهيم المسئولية واللوم والخصوصية وصورة الضحية، وحدود تناول القضايا التي يكون أحد أطرافها قاصرًا.
الميسوجينيا الرقمية.. عندما تتحول التعليقات إلى مساحة للعداء
تندرج بعض التعليقات التي تبرر أو تؤيد العنف ضد الضحية تحت ما يسمى بالميسوجينيا الرقمية، وهي أشكال العداء أو الكراهية أو التحقير الموجه ضد النساء والفتيات عبر الفضاء الرقمي، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو مساحات التعليقات.
ولا تقتصر الميسوجينيا الرقمية على استخدام ألفاظ مهينة ضد النساء، وإنما تشمل مجموعة أوسع من الممارسات والخطابات التي تعيد إنتاج التمييز القائم على النوع الاجتماعي أو تبرر العنف ضد النساء.
وتكشف بعض التعليقات التي جرى رصدها عن محاولة لتأكيد صورة معينة عن «الرجولة» من خلال اللغة المستخدمة في التفاعل مع الجريمة.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من مفهوم «أفعال الرجولة الافتراضية»، الذي طرحته ميريد إيستن مولوني وتوني لاف في بحث نشر عام 2018 بعنوان «تقييم كراهية النساء على الإنترنت»، والذي ينظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مجالًا يستطيع فيه المستخدمون أداء هويتهم الذكورية عبر إشارات لغوية وبصرية، وإظهار ذواتهم وفق تصورات اجتماعية محددة عن الرجولة.
وترى مولوني ولاف أن هذه الأداءات قد تتداخل مع الميسوجينيا الرقمية، إذ يمكن استخدامها لفرض معايير الذكورة المهيمنة وإبقاء الرجال داخل الحدود الاجتماعية لما ينظر إليه بوصفه «رجولة».
وفي التعليقات التي جرى رصدها في قضية مقتل «آ ر»، يمكن قراءة تكرار مفردات مثل «راجل» و«دكر» في هذا الإطار؛ فالمفردتان لا تؤديان وظيفة وصفية فحسب، وإنما قد تتحولان إلى وسيلة لإثبات نموذج بعينه للرجولة، خاصة عندما تستخدمان في سياق الإشادة بالقوة أو السيطرة أو القدرة على ممارسة العنف.
ومن ثم، فإن بعض هذه التعليقات لا تعكس موقفًا من الجريمة وحدها، بقدر ما تكشف عن محاولة لإعادة إنتاج معيار اجتماعي يربط الرجولة بالهيمنة والقوة، ويجعل العنف أحد مظاهر إثباتها.
أستاذ طب نفسي: التعرض المتكرر للعنف قد يؤدي إلى التطبيع
وفي محاولة لفهم هذه الأنماط، قال الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، إن الشخص الذي يحمل أصلًا مشاعر غضب أو إحباط أو تصورًا عدائيًا تجاه النساء قد يجد في الحوادث العنيفة فرصة لتأكيد أفكاره السابقة، كما أن المحتوى التحريضي قد يمنحه شعورًا زائفًا بأنه جزء من جماعة تتفق معه، فيقل لديه الإحساس بأنه مختلف أو مخطئ.
وأضاف أن تكرار التعرض للمحتوى العنيف أو اللغة المهينة قد يؤدي إلى ما يسمى نفسيًا بالتطبيع، أي أنه عندما يرى الإنسان السلوك العنيف أو اللغة المهينة باستمرار، قد تقل حساسيته تجاه خطورتها.
ومع الوقت، يمكن أن تتحول عبارات كانت مرفوضة إلى عبارات تبدو عادية، خصوصًا إذا كانت مصحوبة بتأييد جماعي أو تبريرات أخلاقية زائفة.
وأوضح فرويز أن ذلك لا يعني أن كل من يشاهد هذا المحتوى سيصبح عنيفًا، لكن التعرض المستمر قد يكون عاملًا يزيد تقبل الأفكار العدائية لدى بعض الأشخاص.
كيف تتحول الغيرة ومفاهيم الشرف إلى أدوات تحريض؟
وأشار فرويز إلى أن الإنسان عندما يربط كرامته أو قيمته الشخصية بسلوك امرأة من أسرته، فقد يشعر بأن أي تصرف يراه مخالفًا لتوقعاته يمثل إهانة مباشرة له.
وأضاف أنه مع وجود أفكار متشددة عن الملكية والسيطرة، يمكن أن تتحول الغيرة إلى غضب ثم إلى رغبة في العقاب أو الانتقام، لافتًا إلى أن الخلط هنا يحدث بين الشعور بالغيرة وبين امتلاك الحق في إيذاء إنسان آخر.
وأوضح أن بعض الحالات قد تتضمن تصورًا دونيًا للمرأة، أو اعتقادًا بأنها أقل استقلالًا وأن قراراتها يجب أن تكون خاضعة للرجل، مشيرًا إلى أن العنف لا يمكن اختزاله في سبب واحد.
ولفت إلى أن أفكار السيطرة والتنشئة الأسرية والغيرة المرضية وضعف القدرة على ضبط الانفعالات والتعلم الاجتماعي للعنف، وغيرها من العوامل، قد تتداخل في تفسير بعض أنماط السلوك العنيف.
ضغط الجماعة.. من يحدد مفهوم «الرجولة»؟
وقال فرويز إن المجموعات التي تقدم تأييدًا جماعيًا للأفكار العدائية قد تمنح بعض الأشخاص إحساسًا بأن أفكارهم مقبولة، وتقلل من الرقابة الاجتماعية والخوف من الرفض.
وأضاف أن ما يعرف بـ«غرفة الصدى الإلكترونية» قد يجعل الشخص يسمع الآراء التي تؤكد قناعاته فقط، إلا أن الانتقال من التعبير العدائي إلى ارتكاب العنف ليس أمرًا حتميًا، وإنما يعتمد على عوامل شخصية واجتماعية وسلوكية متعددة.
وأوضح أن بعض النساء قد يتبنين أيضًا أفكارًا تقلل من حقوق المرأة، لأن المرأة ليست محصنة نفسيًا ضد الأفكار الاجتماعية السائدة، وقد يتبنى الإنسان أحيانًا أفكارًا تقلل من حقوق فئة ينتمي إليها هو نفسه نتيجة التنشئة أو الخوف الاجتماعي أو الرغبة في الحصول على قبول الجماعة.
وأضاف أن بعض الأشخاص يعيدون تعريف الرجولة باعتبارها القوة والسيطرة والقدرة على الانتقام، بينما تقوم الرجولة الناضجة نفسيًا على تحمل المسئولية وضبط الانفعال واحترام الآخر.
وأشار إلى أنه عندما يعجز الشخص عن مناقشة الفكرة قد يلجأ إلى مهاجمة هوية الطرف الآخر بعبارات مثل «أنت مش راجل»، بدلًا من مناقشة حجته، معتبرًا أن هذه آلية ضغط اجتماعي هدفها إسكات الصوت المختلف وإجباره على تبني موقف الجماعة.
لماذا يتجاهل البعض رأي المتخصصين؟
وفيما يتعلق بالتعصب، بما فيه التعصب الديني، قال فرويز إنه لا يبدأ عادة برفض العلم أو المتخصصين بشكل مباشر، وإنما قد يبدأ عندما تتحول الفكرة أو المعتقد من قناعة إلى جزء أساسي من هوية الشخص، فيشعر بأن أي رأي مخالف لها يمثل تهديدًا له شخصيًا وليس مجرد اختلاف في الرأي.
وأضاف أنه في هذه الحالة قد يبدأ الإنسان في البحث فقط عن المعلومات التي تؤكد ما يؤمن به، بينما يرفض تلقائيًا المعلومات المخالفة، وهي ظاهرة نفسية تعرف بالانحياز التأكيدي.
وأوضح أنه مع تكرار ذلك، يمكن أن تتكون لدى الشخص قناعة بأن الجميع متواطئ أو أن المتخصصين يكذبون، خصوصًا إذا شعر بأن هناك مؤامرة تستهدف معتقده.
وأشار إلى أن الخوف وعدم اليقين يلعبان دورًا مهمًا أيضًا، إذ إن العقل قد يفضل أحيانًا تفسيرًا بسيطًا وحاسمًا على الاعتراف بأن بعض القضايا معقدة وتحتاج إلى دليل ومناقشة.
متى يتحول المحتوى التحريضي إلى مخالفة قانونية؟
وفيما يخص إمكانية ملاحقة أصحاب المحتوى التحريضي، قالت آية حمدي، المحامية والباحثة القانونية ومؤسسة مبادرة «حَراك» لدعم النساء والأطفال في قضايا العنف، إن هناك فرقًا عمليًا وتطبيقيًا وقانونيًا بين جرائم التحريض والإساءة وخطاب الكراهية، رغم أنها قد تبدو متقاطعة أو تؤدي في النهاية إلى ممارسة العنف اللفظي أو المادي أو المعنوي ضد النساء.
وأوضحت أن التحريض والإساءة وردا في القانون الجنائي، بينما ورد النهي عن خطاب الكراهية في الدستور المصري، مشيرة إلى أن القوانين التي يمكن الاستناد إليها في هذه الحالات تشمل القانون الجنائي وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إلى جانب الدستور المصري.
وأضافت أن التحدي الأكبر يتمثل في أن المحتوى قد يتحول إلى فعل مجرم عندما يتم تخصيصه بامرأة معينة أو فئة معينة ويشكل جريمة واضحة ومحددة في القانون المصري، مثل السب أو الحض على القتل.
وأوضحت أن هذه النقطة تحتاج إلى مناقشة مجتمعية وإعلامية، لأن بعض الكلام العنيف الذي يهدف إلى التقليل من شأن النساء قد يؤخذ في بعض الحالات باعتباره رأيًا، بينما إذا وجهت العبارة إلى امرأة محددة فقد تعتبر احتقارًا أو إساءة أو قذفًا بحسب الظروف.
الحقوق الرقمية: المشكلة في إثبات الجريمة
بدورها، أوضحت تسنيم منير، الباحثة في الحقوق الرقمية وتقاطعاتها مع المجتمعات المهمشة، أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود محتوى مسيء، وإنما بمدى إمكانية إثبات أنه يمثل جريمة قانونية.
وأشارت إلى أن القانون يعترف بالتحريض أو التهديد الصريح، بينما توجد أشكال أخرى من المحتوى قد يفهم الناس سياقها باعتبارها تهديدًا أو تحريضًا، لكنها لا تندرج بالضرورة تحت وصف قانوني محدد.
وضربت مثالًا باستخدام صورة أو محتوى مأخوذ من عمل فني في سياق يبدو للمستخدمين وكأنه تهديد لشخص معين، موضحة أن فهم السياق اجتماعيًا لا يعني بالضرورة أنه يمثل دليلًا قانونيًا على وجود تهديد.
وأضافت أن بعض الأفعال قد تسبب ضررًا اجتماعيًا أو مهنيًا للمرأة، مثل إرسال لقطات من حسابها العام إلى أفراد أسرتها أو جهة عملها بهدف الضغط عليها أو التشهير بها، لكنها لا تشكل بالضرورة جريمة قانونية محددة في حد ذاتها.
كيف يمكن توثيق المحتوى المسيء؟
وأوضحت تسنيم أن آليات التوثيق نفسها تحتاج إلى تطوير مستمر، مشيرة إلى أن لقطات الشاشة وحدها قد لا تكون كافية في بعض الإجراءات القانونية، نظرًا إلى إمكانية فبركتها.
وأشارت إلى أن ذلك قد يضطر الشخص المتضرر، رغم الضغط النفسي الناتج عن استمرار التعرض للمحتوى المؤذي، إلى عدم حظر الشخص المعتدي أو حذف المحادثات، حتى يمكن الاحتفاظ بالأدلة والروابط التي تثبت الواقعة.
وأضافت أنه من الأفضل عدم تنبيه المعتدي مسبقًا إلى اتخاذ إجراء قانوني، حتى لا يسارع إلى حذف المنشورات أو الرسائل أو حظر الضحية، بما قد يصعب إثبات الواقعة أو الوصول إلى هوية الشخص المسئول عنها.
الحسابات الوهمية.. تحدٍ إضافي
ولفتت تسنيم إلى أن الحسابات الوهمية تمثل تحديًا إضافيًا، موضحة أن إنشاء حساب وهمي في حد ذاته لا يمثل جريمة، وإنما يتوقف الأمر على الجريمة التي يتم ارتكابها من خلاله، مثل التحريض أو التهديد أو نشر صور جرى التلاعب بها.
وأضافت أنه رغم تمكن الجهات المختصة من تحديد هوية صاحب الحساب في كثير من الأحيان، تظل هناك تحديات تقنية يستغلها بعض مرتكبي الجرائم في إخفاء هويتهم، ما يتطلب البحث الدائم عن أدوات أكثر تطورًا لملاحقتهم.
عندما يصبح التحريض نهجًا متكررًا
وقالت آية حمدي إن التعامل القانوني مع المحتوى التحريضي لا يكون واحدًا في جميع الحالات، إذ يعتمد الأمر على ما إذا كان المحتوى يمثل جريمة أخرى مترابطة، مثل جريمة تمس الأمن المجتمعي أو تحض على استهداف فئة معينة.
وأوضحت أن هناك فرقًا بين تعليق منفرد وبين حساب أو شخص يجعل من التحريض نهجًا متكررًا، إذ يمكن في هذه الحالة اتخاذ إجراءات قانونية ضده، حتى لو لم يكن محتواه موجهًا إلى امرأة محددة، وذلك بحسب طبيعة المحتوى والأفعال التي يرتكبها.
وأضافت أن انتشار مئات التعليقات المؤيدة للعنف يطرح تحديًا أمام الاعتماد على البلاغات الفردية، إذ يصعب التعامل مع كل تعليق باعتباره واقعة مستقلة، ولذلك ترى ضرورة التعامل مع مروجي هذا الخطاب وعدم انتظار توجيهه إلى امرأة بعينها حتى يبدأ التحرك ضده.
القانون وحده لا يكفي
وترى آية حمدي أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب القوانين، وإنما في آليات التطبيق، إلى جانب وجود مصطلحات قد تحتمل أكثر من تفسير، فضلًا عن تأثر تطبيق القانون بالسياق الثقافي والاجتماعي.
في المقابل، تشير تسنيم منير إلى أن المشكلة تتجاوز الجانب القانوني، لأن بعض المحتويات قد تسبب ضررًا اجتماعيًا واسعًا دون أن تكون جريمة واضحة، بينما يؤدي تجريم كل أشكال السخرية أو الانتقاد إلى إشكالية أخرى مرتبطة بحدود حرية التعبير.
وأضافت أن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء تحتاج إلى حلول متعددة تشمل الحماية المجتمعية، ورفع وعي المنصات بالسياقات التي يستخدم فيها المحتوى، والتعاون لوضع معايير تضمن سلامة النساء وتحظر المحتوى المهدد لسلامتهن، إلى جانب دور الإعلام والجهات التي تقدم الخدمات والدعم للنساء بعد تقديم البلاغات.
وفي النهاية، يكشف الرصد أن مساحة التعليقات على قضايا العنف ضد النساء لا تقدم اتجاهًا واحدًا تجاه الضحية أو الجريمة، وإنما تضم أنماطًا متباينة تبدأ من التعاطف والإدانة، وتمتد إلى التبرير واللوم والتحريض.
وبينما لا تسمح هذه العينة بتعميم النتائج على المجتمع أو اعتبارها مقياسًا للرأي العام، فإنها تفتح نقاشًا حول طبيعة الخطاب الذي يمكن أن تنتجه المنصات الرقمية عند تناول وقائع العنف، وكيف يمكن أن تتداخل مفاهيم الرجولة والغيرة والشرف مع تفسير الجريمة، فضلًا عن الحاجة إلى التفرقة بين المحتوى المسيء والخطاب الذي يمكن أن يترتب عليه أثر قانوني.