تقارير وتحقيقات
أيقونة خلدتها مدرجات أمم إفريقيا.. قصة المناضل الكونغولي باتريس لومومبا
لفت مشهد متكرر في مدرجات بطولة كأس الأمم الإفريقية أنظار المتابعين، حيث ظهر أحد مشجعي منتخب الكونغو الديمقراطية واقفًا طوال المباريات دون حركة، في صورة رمزية جسّد بها أيقونة النضال والتحرر الإفريقي باتريس لومومبا، الزعيم الكونغولي الذي تحوّل إلى رمز خالد لمقاومة الاستعمار.
وُلد باتريس إيمري لومومبا عام 1925 في قرية «كاتانا كوركومبي» بإقليم كاساي، وتلقى تعليمه الأولي في المدارس التبشيرية، قبل أن يلتحق بمدرسة تدريب عمال البريد في ليوبولدفيل، وفق ما أوردته مجلة «أفريقيا قارتنا». وخلال هذه المرحلة، عايش أبشع صور الفصل العنصري بين الأوروبيين البيض وسكان البلاد الأصليين، ما أسهم في تشكيل وعيه الوطني مبكرًا.
وبحكم عمله وتنقله بين مناطق الكونغو، نسج لومومبا علاقات واسعة مع قبائل إفريقية مختلفة، وربط الخيوط بين القوى الوطنية الناشئة لمواجهة الاستعمار البلجيكي. كما اكتسب معرفة عميقة بالقانون والاقتصاد من خلال الممارسة العملية والدورات التدريبية، وهو ما جعله محل مراقبة دائمة من قبل السلطات الاستعمارية التي لفّقت له لاحقًا تهمة سرقة أُودع بسببها السجن.
في أغسطس 1958، تفرغ لومومبا للعمل السياسي، وبرز اسمه على الساحة الإفريقية عقب مشاركته في مؤتمر أكرا، الذي مهّد لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية. وبعد المؤتمر، أسس حزب «الحركة الوطنية الكونغولية»، واضعًا هدفًا واضحًا يتمثل في الاستقلال الكامل والوحدة الوطنية، خلافًا للمخططات الاستعمارية التي سعت إلى استقلال شكلي عبر نخب موالية.
قاد لومومبا مظاهرات كبرى ضد الاستعمار عام 1959، انتهت باعتقاله ستة أشهر، قبل أن يُفرج عنه للمشاركة في مفاوضات «مؤتمر المائدة المستديرة» في بروكسل، والتي أفضت إلى إعلان استقلال الكونغو بعد 80 عامًا من الاحتلال البلجيكي، وتنظيم أول انتخابات ديمقراطية في البلاد.
وفي مايو 1960، حقق حزب الحركة الوطنية فوزًا كاسحًا في الانتخابات البرلمانية، ليُكلف لومومبا بتشكيل الحكومة، ويدخل التاريخ كأول رئيس وزراء للكونغو المستقلة. وقبيل اعتقاله لاحقًا، شهدت القضية تدخلًا مصريًا بارزًا، حيث تولت قوات مصرية تابعة للأمم المتحدة تأمين وتهريب أسرته، بتوجيهات من الزعيم جمال عبد الناصر، وبإشراف مباشر من الفريق سعد الدين الشاذلي.
وانتهت مسيرة لومومبا باغتياله عام 1961 في مشهد مأساوي هزّ العالم، لكنه خلّد اسمه كرمز للصمود والتحرر. وكما وصف محمد فايق في مذكراته «مسيرة تحرر»، ظل مشهد مقتله يطارد جلاديه، فيما بقي لومومبا حاضرًا في الذاكرة الإفريقية، أيقونة نضال لا تسقط بالتقادم، كما جسدتها وقفة مشجع في مدرجات أمم إفريقيا.