لا تعتزم إسرائيل، في الوقت الراهن، تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى مزودة برؤوس حربية تقليدية. وقد طُرح هذا الموضوع للنقاش مجدداً خلال الحرب الأخيرة مع إيران، إلا أن القيادة الإسرائيلية -وفقاً لمصادر مطلعة- لا ترى حالياً حاجة عملياتية كافية لذلك. ويعود السبب في ذلك إلى القدرات التي يمتلكها سلاح الجو حالياً، والخبرات المكتسبة في استخدام الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الجو.
هذا النقاش ليس جديداً في إسرائيل؛ فقد جرى بحثه مراراً في السنوات الماضية حول ما إذا كان ينبغي للبلاد بناء ترسانة من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى ذات الرؤوس الحربية التقليدية، إلى جانب قدراتها القائمة. وقد أُثيرت المسألة مجدداً أثناء الحرب الأخيرة مع إيران، لكن لم يُتخذ حتى الآن أي قرار بالمضي قدماً في برنامج تطوير من هذا النوع.
ووفقاً لمعلومات حصل عليها الكاتب من دوائر أمنية إسرائيلية، فقد نجح سلاح الجو الإسرائيلي، على وجه الخصوص، في إقناع القيادة السياسية خلال السنوات الأخيرة بأنه يمتلك بالفعل الوسائل الكافية لاستهداف أهداف بعيدة بدقة عالية.
صواريخ دقيقة بعيدة المدى بدلاً من الصواريخ الباليستية
وقد شهدت الحرب الأخيرة استخدام صواريخ باليستية متطورة تُطلق من الجو. وفقاً لتقديرات مصدر إسرائيلي رفيع المستوى، فإن النتائج التي تم التوصل إليها أدت إلى تراجع ملحوظ في النقاش حول الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تُطلق من منصات أرضية والمزودة برؤوس حربية تقليدية. وأوضح المصدر أن إسرائيل تفضل الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى على الأنظمة ذات الرؤوس الحربية الضخمة التي تتسم بدقة إصابة أقل. كما أن الخبرات المكتسبة من استخدام صواريخ باليستية تُطلق من الجو قد أدت، في الوقت الراهن، إلى “تجميد” ملف الصواريخ بعيدة المدى ذات الرؤوس التقليدية.
ووفقاً للمصدر ذاته، فإن هذا التحفظ لا يعود إلى نقص في القدرات التقنية؛ إذ تمتلك إسرائيل، من حيث المبدأ، الإمكانات اللازمة لتطوير مثل هذه الأنظمة. وتكمن المسألة الجوهرية في جانب مفاهيمي: ما هي القيمة العسكرية الإضافية التي يمكن أن تقدمها الصواريخ الباليستية الأرضية، في ظل توفر أنظمة أخرى قادرة بالفعل على استهداف أهداف بعيدة بدقة عالية؟
وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق بالجدوى التقنية بقدر ما تتعلق بكيفية دمج هذه الأسلحة ضمن العقيدة العملياتية الإسرائيلية.
صواريخ “أريحا” (Jericho) تظل حالة استثنائية
تمتلك إسرائيل عدة طرازات من عائلة صواريخ “أريحا” الباليستية، لكنها لا تفصح رسمياً عن تفاصيل دقيقة حول تصميمها أو تسليحها. ولطالما ربطت وسائل إعلام أجنبية، على مدى سنوات، بين عائلة “أريحا” وما يُسمى بـ “رؤوس حربية خاصة” (special warheads)؛ وهي مزاعم لم تؤكدها إسرائيل قط. ولهذا السبب تحديداً، ينبغي فصل النقاش الدائر حالياً عن عائلة صواريخ “أريحا” القائمة؛ فمحور النقاش ليس القدرات الاستراتيجية، بل الصواريخ الباليستية بعيدة المدى المخصصة لتنفيذ ضربات تقليدية دقيقة.
وتشير تقديرات المصادر الإسرائيلية الحالية إلى عدم وجود حاجة ملحة لمثل هذه الصواريخ؛ إذ يستطيع سلاح الجو استهداف مواقع بعيدة باستخدام مجموعة متنوعة من الأسلحة الدقيقة التي تُطلق من الجو، وهو ما أثبته مجدداً خلال الصراع الأخير. وعليه، فبينما يظل تطوير صواريخ باليستية تقليدية بعيدة المدى تُطلق من منصات أرضية أمراً ممكناً من الناحية التقنية، إلا أنه لا يحظى حالياً بأي أولوية من الناحية العملياتية.