دار الإفتاء تدرب طلاب الأزهر الوافدين على منهجية الفتوى المعاصرة

26 أكتوبر 2026 14:15

عقد مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية دورة تدريبية لطلاب جمعية «سفراء الهداية» من الوافدين الدارسين بالأزهر الشريف، بعنوان «منهجية الفتوى المعاصرة»، بمشاركة عدد من أمناء الفتوى والباحثين بالدار، في إطار جهودها لتأهيل المتصدرين للفتوى وتنمية مهاراتهم العلمية والعملية في التعامل مع القضايا المعاصرة، وتعريفهم بالضوابط المنهجية التي تحقق التوازن بين الأحكام الشرعية وواقع الناس واحتياجاتهم.

وافتتح البرنامج التدريبي الدكتور أحمد ممدوح، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمفتي الجمهورية، نيابة عن فضيلته، ناقلًا تحياته إلى المتدربين، ومؤكدًا أهمية اكتساب المهارات اللازمة لفهم أسئلة المستفتين وظروفهم وأحوالهم، بما يساعد على تقديم إجابات منضبطة تحقق مقاصد الشريعة وتراعي المصالح. وأوضح أن الإفتاء لا يقتصر على استحضار الأحكام الفقهية، بل يتطلب حسن تصور الواقعة ودقة فهمها والقدرة على التواصل مع السائل.

وخلال محاضرته بعنوان «مهارات الرد على المستفتين»، أوضح ممدوح أن اختلاف أحوال السائلين قد يستدعي اختلاف الإجابة عن السؤال الواحد، مستشهدًا بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما بشأن اختلاف إجابته عن توبة القاتل وفقًا لحال السائل، إذ قد يكون المقصود فتح باب الرجاء أمام شخص، أو ردع آخر عن جريمة يخشى ارتكابها.

وشدد على أن المفتي مطالب بالنظر في واقع المستفتي والمصلحة المترتبة على الفتوى، سواء كانت عاجلة أم آجلة، فقد تتحقق المصلحة بالتيسير في موضع، وبالتشديد في موضع آخر وفق الضوابط الشرعية، انطلاقًا من القاعدة القائلة إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

وأضاف أن المستفتي شريك في صناعة الفتوى؛ لأنه يقدم المعلومات التي يبني المفتي عليها إجابته، ومن ثم ترتبط دقة الفتوى بوضوح السؤال وصحة تصور الواقعة. وأكد أهمية حسن استقبال السائل والبشاشة في التعامل معه وطمأنته، والحفاظ على سرية معلوماته، والتمييز بين الحكم على الفعل والحكم على فاعله، مع مراعاة الظروف المحيطة بالواقعة.

وتناول ممدوح أهمية الاستماع الفعال، الذي يتجاوز الإنصات إلى كلمات السائل لتكوين تصور متكامل عن المسألة، والتأكد من فهم تفاصيلها، إلى جانب التمييز بين السؤال الظاهر والسؤال المستتر الذي قد يستهدف إدانة شخص آخر أو التهرب من التزام. وحذر من الأسئلة المفخخة التي تتطلب الانتباه إلى مقاصد السائل، مؤكدًا ضرورة الاستفسار عن التفاصيل المؤثرة في الحكم، والتمييز بين الأسئلة المفتوحة والمحددة.

كما أشار إلى أهمية مراعاة الفروق النفسية بين المستفتين؛ فالغاضب يحتاج إلى التهدئة، والمتشكك إلى الطمأنة، والخجول إلى التشجيع، والموسوس إلى تجنب الإغراق في التفاصيل، والثرثار إلى ضبط الحوار. واستشهد بمواقف نبوية في التعامل مع أصحاب الأسئلة المحرجة، مؤكدًا أن فهم دوافع السائل وحسن التعامل معه من الأدوات الأساسية للوصول إلى الفتوى المناسبة.

تحليل الفتوى وفهم الواقع

وشهد البرنامج محاضرة للدكتور مصطفى عبد الكريم مراد، أمين الفتوى ومدير إدارة البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء المصرية، بعنوان «تحليل الفتوى ومعايير نقدها»، تناول خلالها مفهوم الفتوى بوصفها بيانًا لحكم الشرع في واقعة معينة، موضحًا اختلافها عن الفقه الذي يتناول الأحكام والقواعد بصورة عامة، بينما ترتبط الفتوى بواقعة محددة لها ظروفها وملابساتها.

وأكد مراد أن إصدار الفتوى يتطلب الجمع بين المعرفة الشرعية الدقيقة والإدراك الصحيح للواقع، موضحًا أن فهمه يشمل أربعة مجالات رئيسية، هي الأشخاص والأشياء والأفكار والأحداث، بما يساعد على تكوين تصور صحيح للمسألة قبل إصدار الحكم.

وفي تناوله لعالم الأشياء، أوضح أهمية معرفة حقيقة موضوع الفتوى وخصائصه، مستشهدًا باختلاف بعض الاجتهادات القديمة بشأن القهوة نتيجة تصورات سابقة عن طبيعتها، مؤكدًا ضرورة التحقق من حقيقة الأشياء وعدم الاكتفاء بالتصورات الشائعة عنها، خاصة في المسائل التي قد تتغير أحكامها بتغير حقيقتها.

وفيما يتعلق بالأحداث، شدد على ضرورة التثبت من صحة الأخبار والوقائع قبل بناء الأحكام عليها، مشيرًا إلى أن التعامل مع الأوبئة قد يستلزم اتخاذ إجراءات احترازية لحماية الأنفس، باعتبار حفظ النفس أحد مقاصد الشريعة. كما أوضح أن بعض الممارسات لا يمكن الحكم عليها من ظاهرها وحده، بل يتعين النظر في خلفياتها الفكرية ومضامينها، مستشهدًا ببعض صور اليوجا التي تتجاوز التمارين الرياضية إلى منظومة فكرية أوسع.

وبيّن أن عملية الإفتاء تمر بمراحل مترابطة تبدأ بتصوير الواقعة وفهم حقيقتها، ثم تكييفها فقهيًا والاستدلال بالأدلة الشرعية وتنزيل الحكم على محل السؤال، وصولًا إلى صياغة الفتوى. وأشار إلى أن بعض المعاملات والعقود المعاصرة تحتاج إلى دراسة خصائصها ومقارنتها بالعقود المعروفة في الفقه، مع مراعاة ما قد تتضمنه من ضرر أو غرر أو جهالة.

وأكد أن اختلاف العلماء في فهم الأدلة من المسائل المعتبرة في الاجتهاد، وأن على المفتي التمييز بين المسائل الاجتهادية وتلك المتفق عليها، موضحًا أن اختيار الفتوى المناسبة للواقع لا يعني الخروج عن الأصول الشرعية، بل يستلزم فهم الظروف وتحقيق المصالح في إطار الضوابط المعتبرة.

التيسير المنضبط ومقاصد الشريعة

واختُتم اليوم التدريبي بمحاضرة للشيخ عويضة عثمان، مدير الإدارة العامة للإرشاد الزواجي بدار الإفتاء المصرية، بعنوان «التعريف بالمؤسسات الإفتائية»، أكد خلالها أن التصدر للفتوى مسؤولية عظيمة تستلزم الإخلاص والتثبت واستشعار المساءلة أمام الله تعالى.

وأوضح عثمان أن العلم وحده لا يكفي لتكوين المفتي، إذ يحتاج إلى الفقه والدربة والممارسة العملية التي تؤهله لفهم الأسئلة وتنزيل الأحكام على الوقائع، مشيرًا إلى أن المؤسسات الإفتائية تؤدي دورًا أساسيًا في إعداد المفتين وتدريبهم وفق منهج علمي منضبط.

وأشار إلى أن الفتوى إخبار عن حكم شرعي في واقعة معينة بدليل شرعي، من غير إلزام، وأنها قد تتغير بتغير أحوال الأشخاص والزمان والمكان والعرف والملابسات المؤثرة، مع بقاء الأحكام الشرعية الثابتة. وشدد على ضرورة فهم نفسية المستفتي ومنحه الوقت الكافي لعرض مسألته والاستماع إليه بتأنٍ حتى تتضح حقيقة الواقعة.

وتناول دور المؤسسات الإفتائية في مراعاة المصالح ومقاصد الشريعة، مستشهدًا باجتهادات للصحابة والعلماء ارتبطت بتغير الظروف والأحوال، وما قرره عدد من العلماء، ومنهم ابن القيم وابن عابدين، بشأن أثر تغير الأحوال والأعراف في الفتوى.

وشدد عثمان على أن صناعة المفتي تحتاج إلى التلمذة ومجالسة العلماء والممارسة، محذرًا من الاقتصار على نقل الأحكام من الكتب دون امتلاك أدوات الفهم والاستدلال، لما قد يترتب عليه من فتاوى خاطئة تفضي إلى الفتن والإضرار بالمجتمع. وأكد أن التجديد في الفتوى يعني فهم احتياجات الناس والاستجابة لها في إطار الأصول الشرعية الثابتة، لا التحلل منها أو الأخذ بآراء شاذة.

كما أكد أهمية التيسير المنضبط، وجمع النصوص الشرعية والنظر إليها في سياق متكامل، وفهم مقاصد الأحكام والتمييز بين الثابت والمتغير، ودراسة مآلات الفتوى قبل إصدارها، محذرًا من القراءة المجتزأة للنصوص أو الاعتماد على دليل واحد بمعزل عن بقية الأدلة.

من جانبه، أعرب ياسر عبد الهادي، مدير البرامج والأداء بجمعية «سفراء الهداية»، عن شكره لدار الإفتاء المصرية على تنظيم الدورة، مشيدًا بأهمية التأهيل العلمي والعملي في مجال الإفتاء. وأكد أن الفتوى صناعة دقيقة تتطلب الممارسة ومجالسة العلماء ومراعاة تغير الزمان والمكان والأحوال، لما لها من دور في توجيه المجتمع وضبط فهم الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع الناس.

AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.