روسيا تبدأ تصنيع أول نموذج أولي لطائرة مدنية أسرع من الصوت لاستعادة إرث “تو-144”
جهاد علي
بدأت روسيا رسميًا أعمال تصنيع نموذج أولي لطائرة مدنية جديدة تفوق سرعتها سرعة الصوت، في خطوة تمثل عودة طموحة إلى سوق الطيران التجاري عالي السرعة، بعد عقود من توقف هذا النوع من المشاريع منذ الحقبة السوفيتية.
ويهدف المشروع إلى تطوير طائرة تجارية حديثة تكون امتدادًا للطائرة السوفيتية الشهيرة “تو-144”، التي دخلت التاريخ كأول طائرة ركاب أسرع من الصوت، رغم توقفها المبكر نتيجة تحديات تشغيلية وتقنية.
ويقود المشروع “المركز الوطني للبحوث في جوكوفسكي” بالتعاون مع شركة الطائرات المتحدة (UAC)، حيث أكد مسؤولو البرنامج أن العمل انتقل من مرحلة الدراسات النظرية والمحاكاة إلى مرحلة تصنيع نموذج تجريبي فعلي لاختبار التقنيات الجديدة.
وأوضح المدير العام لشركة UAC أن المشروع وصل إلى مستوى متقدم من النضج التقني، في إطار خطة روسيا لإعادة بناء قدراتها في قطاع الطيران المدني والفضاء.
ويأتي هذا التطور ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تعزيز استقلالية روسيا التكنولوجية في مجال الطيران، خصوصًا بعد العقوبات التي دفعت موسكو لتسريع إنتاج طائرات مدنية محلية مثل MC-21 وSJ-100 وTu-214.
تحدي الانفجار الصوتي وتطوير التصميم
يُعد “الانفجار الصوتي” الناتج عن اختراق حاجز الصوت أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات الأسرع من الصوت، إذ تسبب هذه الظاهرة ضجيجًا قويًا أدى سابقًا إلى تقييد هذا النوع من الطيران فوق المناطق المأهولة.
وتعمل الفرق البحثية الروسية على تطوير حلول ديناميكية هوائية متقدمة تهدف إلى تقليل هذه الموجات الصوتية، بما يساهم في جعل الطائرة أكثر توافقًا مع الاستخدام التجاري.
كما حصل معهد جوكوفسكي على براءة اختراع لتصميم هيكل جديد للطائرة يساهم في إعادة توزيع موجات الصدمة بشكل أكثر كفاءة، مما يقلل من الضوضاء الأرضية ويحسن الأداء أثناء الطيران.
ومن المتوقع أن تعتمد الطائرة على مواد مركبة خفيفة الوزن وأنظمة تحكم رقمية متطورة، إلى جانب محركات حديثة أكثر كفاءة مقارنة بالأجيال السابقة من الطائرات الأسرع من الصوت.
ويهدف البرنامج إلى تحقيق توازن بين السرعة العالية والكفاءة الاقتصادية والسلامة التشغيلية، وهي معادلة لم تتمكن نماذج سابقة مثل “كونكورد” و“تو-144” من تحقيقها بشكل كامل.
سوق متخصص وتنافس دولي
تسعى روسيا من خلال هذا المشروع إلى استهداف سوق متخصص يشمل رجال الأعمال والرحلات الحكومية والفئات عالية الدخل، حيث يمكن تقليص زمن الرحلات الطويلة إلى النصف تقريبًا مقارنة بالوقت الحالي.
ويأتي هذا التوجه في ظل تنافس عالمي متسارع في قطاع الطيران الأسرع من الصوت، حيث تعمل الولايات المتحدة عبر وكالة “ناسا” بالتعاون مع شركة لوكهيد مارتن على تطوير طائرة X-59 منخفضة الضوضاء.
كما تواصل شركة Boom Supersonic تطوير طائرتها “Overture”، التي تستهدف نقل الركاب بسرعات تصل إلى 1.7 ماخ، في إطار سباق عالمي لإعادة إحياء الطيران التجاري فائق السرعة.
ويشير خبراء إلى أن نجاح روسيا في هذا المشروع قد يعيد تشكيل خريطة الطيران العالمي، خاصة إذا تمكنت من تجاوز التحديات التقنية والاقتصادية المرتبطة بهذا النوع من الطائرات.