من الموبايل للسجائر والكهرباء.. حين يدفع المواطن ثمن فشل الرقابة
في كل مرة تظهر فيها أزمة تهريب أو خلل واضح في منظومة الرقابة، تتكرر النتيجة نفسها بلا استثناء، ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء وتحميل المواطن فاتورة المشكلة، من الهواتف المحمولة إلى السجائر والكهرباء، يبدو أن الحل الأسهل دائمًا هو فرض رسوم جديدة أو رفع الأسعار، بدلًا من ضبط المنافذ وملاحقة شبكات التهريب، في مشهد يعكس أزمة أعمق في إدارة الملفات الاقتصادية.
الموبايلات.. مكافحة التهريب أم تعظيم الإيرادات؟
مع تصاعد الحديث عن تهريب الهواتف المحمولة إلى السوق المصرية، لجأت الحكومة إلى إلغاء إعفاءات الهواتف الواردة مع المصريين العاملين بالخارج من الرسوم الجمركية، والتي قد تصل على بعض الأنواع إلى نحو 38%، بدعوى حماية الصناعة المحلية ومواجهة التهريب.
لكن النتيجة كانت واضحة، قفزت أسعار الهواتف محليًا بنسب تراوحت بين 15 و20%، ليتحمل المستهلك التكلفة المباشرة، في وقت تؤكد فيه شعبة الاتصالات أن أسعار الموبايلات محلية الصنع أصبحت في بعض الأحيان أعلى من المستوردة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى القرار وأهدافه الحقيقية.
السجائر.. التهريب شماعة الزيادات المتكررة
لم يكن ملف السجائر بعيدًا عن المعادلة نفسها، إذ قررت إحدى الشركات العاملة في السوق المصري مؤخرًا رفع أسعار منتجاتها بقيمة تتراوح بين 5 و7 جنيهات للعبوة الواحدة، مبررة القرار بارتفاع معدلات التهريب داخل الأسواق.
ومن المتوقع أن تلحق بها باقي الشركات خلال الفترة المقبلة، ورغم أن مكافحة التهريب هدف مشروع، فإن الواقع يشير إلى أن زيادات الأسعار أصبحت الحل الأسرع، في حين لم يلمس المواطن تحسنًا حقيقيًا في ضبط مسارات التهريب.
الأخطر أن هذه السياسة قد تدفع بعض المستهلكين للجوء إلى منتجات مهربة أو أقل جودة، ما يخلق حلقة مفرغة من التهريب وارتفاع الأسعار المتتالي.
الكهرباء.. حين يدفع الملتزم ثمن المخالف
في ملف الكهرباء، تكررت القصة بصيغة مختلفة، ففي مواجهة سرقة التيار الكهربائي، اتجهت الدولة إلى تشديد العقوبات وفرض غرامات ضخمة قد تصل إلى مليون جنيه، إلى جانب زيادات مرتقبة في شرائح الكهرباء.
لكن هذه الإجراءات لم تفرق دائمًا بين المخالف والملتزم، إذ وجد المواطن الذي يسدد فواتيره بانتظام نفسه أمام أعباء إضافية، نتيجة ممارسات لم يكن طرفًا فيها، ما يثير تساؤلات حول عدالة توزيع التكلفة.
خبير اقتصادي: زيادة الأسعار ليست حلًا
من جانبه، يرى الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن فرض جمارك على الموبايلات بسبب التهريب، وزيادة أسعار السجائر للسبب نفسه، أو فرض غرامات مرتفعة على سرقة الكهرباء، إذا نُظر إليها من منظور اقتصادي بحت، تندرج تحت التعامل مع الاقتصاد الموازي.
وأوضح أن الدولة تحاول مواجهة هذا الاقتصاد عبر رفع الأسعار أو فرض ضرائب، وهو مسار غير دقيق، خاصة أن حجم الاقتصاد الموازي يقدر بنحو 50% من إجمالي الاقتصاد.
الرقابة أولًا بدلًا من تحميل المواطن الفاتورة
وأضاف بدرة أن زيادة الأسعار وفرض الغرامات ليست علاجًا حقيقيًا، ولا يصح تحميل دافعي الضرائب والملتزمين أعباء إضافية لتعويض خسائر ناتجة عن خلل في المنظومة.
وأشار إلى أن رفع أسعار السجائر مؤخرًا بسبب التهريب، رغم أن المكاسب الشهرية للمهربين قد تصل إلى مليار جنيه، في حين لا يتجاوز عدد المحتكرين لهذه التجارة بضعة أشخاص، يعد مثالًا واضحًا على تحميل المواطن ثمن فشل الرقابة.
كما انتقد مقترح إيداع 5000 دولار مقابل الإعفاء من جمارك الموبايلات، معتبرًا أن المواطن المغترب أولى بهذه الأموال هو وأسرته.
واختتم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن الحل الحقيقي يكمن في إحكام الرقابة على المنافذ الجمركية، وتقنين الأوضاع، وتكاتف جميع الجهات المعنية، إلى جانب توعية المجتمع بأثر هذه الممارسات، بدلًا من اللجوء الدائم إلى أسهل الحلول، وهي رفع الأسعار وفرض الرسوم على الملتزم وغير الملتزم على حد سواء.
اترك تعليقا