مقالات مقال رأي

الرفاعي عيد يكتب: السياسة بلا وعي خطر

28 أكتوبر 2026 15:30
“
وجهة نظر

السياسة بلا وعي قد تتحول من مساحة لإدارة المصالح إلى ساحة للاستقطاب والغضب. المشكلة ليست في اهتمام الناس بالسياسة، بل في الاهتمام الذي لا يعتمد على معلومات أو فهم للسياق.

حين يدخل المواطن النقاش السياسي من خلال شعارات فقط، يصبح سهل التأثر بالمبالغات. كل خبر يؤكد موقفه يصبح صحيحًا، وكل معلومة تخالفه تُرفض قبل فحصها.

الوعي السياسي لا يعني أن يعرف الإنسان كل شيء، ولا أن يصبح خبيرًا في الاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية. يعني أن يعرف حدود معرفته، وأن يبحث عن مصدر، ويميز بين الخبر والرأي، وبين الوقائع والتفسير.

السياسة بلا وعي تجعل الناس أسرع في التخوين. لأن الرأي المختلف يُفهم باعتباره نية سيئة، لا احتمالًا آخر في تفسير الواقع.

كما تجعل الجمهور أكثر قابلية للتلاعب بالخوف. الرسالة التي تقول إن كل شيء كارثة أو أن الطرف الآخر سبب كل المشكلات قد تكون جذابة، لكنها نادرًا ما تشرح التعقيد الحقيقي.

الوعي يحتاج إلى قراءة أكثر من عنوان. كثير من القرارات العامة لا يمكن الحكم عليها من جملة واحدة، لأنها تتضمن تكاليف ومنافع وفئات مختلفة.

وهناك مسؤولية على الإعلام والمؤسسات التعليمية كذلك. لا يمكن أن نطالب المواطن بوعي كامل في بيئة مليئة بالمعلومات المتناقضة بلا أدوات لفهمها.

لكن المسؤولية الفردية تظل مهمة. التوقف قبل المشاركة، مقارنة المصادر، والاعتراف بعدم المعرفة، كلها سلوكيات سياسية ناضجة.

السياسة بلا وعي خطر لأنها تحول المواطن من شريك في المجال العام إلى مادة سهلة للتعبئة.

الوعي لا يفرض على الناس رأيًا واحدًا. بالعكس، يمكن لشخصين واعيين أن يختلفا جذريًا، لكنهما يعرفان لماذا يختلفان وما الأدلة التي يعتمد عليها كل منهما.

الديمقراطية أو المشاركة العامة لا تقوم على كثرة الأصوات فقط، بل على جودة المعلومات التي تبني عليها هذه الأصوات مواقفها.

وكلما زاد الوعي، أصبحت السياسة أقل صراخًا وأكثر قدرة على إنتاج قرارات يمكن مناقشتها بجدية.

ومن المهم هنا أن نحافظ على الفرق بين الموقف السياسي والحكم على الأشخاص. يمكن رفض فكرة بقوة من دون تحويل صاحبها إلى عدو، كما يمكن الدفاع عن مؤسسة مع الاعتراف بأنها قابلة للخطأ. هذا الفصل هو ما يجعل النقاش السياسي مفيدًا بدل أن يتحول إلى استقطاب دائم.

وفي النهاية، الوعي السياسي لا يطلب من الناس الاتفاق، بل يطلب أن يعرف كل طرف لماذا يتبنى موقفه، وأن يكون مستعدًا لمراجعته إذا تغيرت الوقائع. الدولة والمجتمع يستفيدان من النقد الموثق والسؤال الجاد أكثر مما يستفيدان من الصمت أو الضجيج.

ومن المهم هنا أن نحافظ على الفرق بين الموقف السياسي والحكم على الأشخاص. يمكن رفض فكرة بقوة من دون تحويل صاحبها إلى عدو، كما يمكن الدفاع عن مؤسسة مع الاعتراف بأنها قابلة للخطأ. هذا الفصل هو ما يجعل النقاش السياسي مفيدًا بدل أن يتحول إلى استقطاب دائم.

وفي النهاية، الوعي السياسي لا يطلب من الناس الاتفاق، بل يطلب أن يعرف كل طرف لماذا يتبنى موقفه، وأن يكون مستعدًا لمراجعته إذا تغيرت الوقائع. الدولة والمجتمع يستفيدان من النقد الموثق والسؤال الجاد أكثر مما يستفيدان من الصمت أو الضجيج.

AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.