تظل حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، بعدما خاضت القوات المسلحة معركة استعادة الأرض والكرامة، ونجح جيل أكتوبر في تحويل إرادة التحرير إلى واقع، لتبقى ذكرى السادس من أكتوبر عام 1973 واحدة من أبرز المحطات الخالدة في وجدان الشعب المصري والضمير العربي.
نشأة محمد أنور السادات
ولد الرئيس الراحل محمد أنور السادات في 25 ديسمبر عام 1918 بقرية ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية، لأب مصري وأم من أصول سودانية. وبدأ تعليمه في كتاب القرية، حيث مكث ست سنوات وحفظ خلالها القرآن الكريم كاملا.
وانتقل بعد ذلك إلى مدرسة الأقباط الابتدائية بقرية طوخ دلكا المجاورة، ثم انتقل إلى القاهرة بعد عودة والده من السودان، والتحق بعدد من المدارس، بينها مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بالزيتون، ومدرسة السلطان حسين بمصر الجديدة، ومدرسة فؤاد الأول الثانوية، ثم مدرسة رقي المعارف بشبرا، التي حصل منها على الشهادة الثانوية.
الالتحاق بالكلية الحربية وبداية الطريق
أتاحت معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا زيادة أعداد الجيش المصري، وهو ما فتح المجال أمام أبناء الطبقة المتوسطة للالتحاق بالكلية الحربية.
وفي هذا السياق، التحق أنور السادات بالكلية الحربية، إلى جانب جمال عبد الناصر وعدد من رموز ثورة يوليو. وبعد تخرجه، ألحق بسلاح المشاة في الإسكندرية، ثم نقل إلى منقباد بصعيد مصر، وهناك التقى للمرة الأولى بجمال عبد الناصر.
وفي معسكر منقباد، شارك السادات وعدد من الضباط الشبان في تأسيس جمعية سرية ذات توجه ثوري، شكلت إحدى النواة المبكرة لتنظيم الضباط الأحرار، في ظل رغبة مشتركة في مواجهة الاحتلال البريطاني وتحرير البلاد.
قضية أمين عثمان والعودة إلى الجيش
في عام 1946، اغتيل أمين عثمان باشا، وزير المالية الأسبق، واتهم السادات ضمن مجموعة من الشباب في القضية، وقضى نحو 31 شهرا في السجن قبل أن تصدر المحكمة حكما ببراءته.
وشكلت عودته إلى الجيش محطة مهمة في حياته، إذ تمكن في 15 يناير 1950 من العودة إلى الخدمة بالرتبة نفسها التي خرج بها، وهي رتبة «يوزباشي»، قبل أن يرقى إلى رتبة الصاغ عام 1950 ثم البكباشي عام 1951.
وفي العام نفسه، اختاره جمال عبد الناصر عضوا في الهيئة التأسيسية لحركة الضباط الأحرار.
السادات يعلن بيان ثورة يوليو
شارك أنور السادات في ثورة 23 يوليو 1952، وكان صاحب الصوت الذي أعلن البيان الأول للثورة عبر الإذاعة المصرية.
وفي الساعة السابعة والنصف صباح 23 يوليو، استمع المصريون إلى صوت البكباشي أنور السادات وهو يعلن بيان الثورة، كما توجه برفقة اللواء محمد نجيب إلى الإسكندرية لتسليم الإنذار الموجه إلى الملك فاروق للتنازل عن العرش.
من الثورة إلى رئاسة الجمهورية
بعد ثورة يوليو، تولى السادات عددا من المناصب السياسية والتنفيذية، من بينها عضوية محكمة الثورة عام 1954، وسكرتير عام المؤتمر الإسلامي، كما شارك عام 1955 في تأسيس جريدة الجمهورية وتولى رئاسة تحريرها.
وأصبح أول أمين عام للاتحاد القومي، ثم تولى رئاسة مجلس الأمة لمدة ثماني سنوات، وأسندت إليه مسؤوليات مرتبطة بالملف السياسي لحرب اليمن، قبل أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية عام 1969.
وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، تولى السادات رئاسة مصر، وأجري الاستفتاء على رئاسته في 15 أكتوبر، وتولى مهام منصبه رسميا في 17 أكتوبر من العام نفسه.

السادات في بداية حكمه
شهدت السنوات الأولى من حكم السادات عددا من الإجراءات والسياسات الداخلية، من بينها خفض أسعار بعض السلع، والاهتمام بوسائل النقل والمواصلات، ورفع الرقابة عن الكتب الواردة من الخارج، والإفراج عن عدد من المثقفين ذوي الميول اليسارية.
كما أولى اهتماما بتنمية الريف وتوسيع نطاق إدخال الكهرباء إلى القرى المصرية، في إطار مشروعات هدفت إلى تحسين الخدمات في المناطق الريفية.
التوجيه الاستراتيجي لحرب أكتوبر
مع اقتراب موعد المعركة، تولى السادات بصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إصدار التوجيهات الاستراتيجية الخاصة بالحرب.
وفي 5 أكتوبر 1973، وجه السادات التوجيه الاستراتيجي إلى الفريق أول أحمد إسماعيل، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، محددا المهام الاستراتيجية للقوات المسلحة.
وتضمن التوجيه قرار كسر وقف إطلاق النار اعتبارا من 6 أكتوبر 1973، وتكبيد القوات الإسرائيلية أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والأسلحة والمعدات، والعمل على تحرير الأراضي المحتلة على مراحل وفقا لنمو وتطور قدرات القوات المسلحة.
كما نص التوجيه على تنفيذ المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية.

قرار العبور وبداية المعركة
في السادس من أكتوبر 1973، تحولت التوجيهات السياسية والعسكرية إلى عملية عسكرية واسعة، بدأت بعبور القوات المصرية قناة السويس واقتحام خط بارليف، بالتزامن مع الهجوم السوري على الجبهة الشمالية.
ومثل قرار السادات بخوض الحرب نقطة تحول في مسار الصراع، بعدما انتقلت مصر من مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة ورفع كفاءتها عقب 1967 إلى تنفيذ عملية عسكرية لاستعادة الأراضي المحتلة وفرض واقع جديد على مسار الصراع.
وبقي اسم أنور السادات مرتبطا بقرار حرب أكتوبر، باعتباره الرئيس الذي اتخذ قرار بدء المعركة وحدد في التوجيه الاستراتيجي أهدافها ومهام القوات المسلحة، لتظل حرب السادس من أكتوبر إحدى أبرز المحطات في تاريخ مصر الحديث.