مقالات مقال رأي

محمد علي أبو حجازي يكتب: ماذا يريد المواطن من الأحزاب؟

29 سبتمبر 2026 21:31
“
وجهة نظر

من السهل على أي حزب سياسي أن يتحدث عن نفسه، عن هيكله التنظيمي وانتشاره وقياداته وطموحاته، لكن السؤال الأكثر أهمية ليس ماذا تريد الأحزاب من المواطن، وإنما: ماذا يريد المواطن من الأحزاب؟ هذا السؤال يجب أن يظل حاضرًا أمام كل من يعمل في المجال العام، لأن السياسة في جوهرها ليست مقاعد ومناصب ولا مؤتمرات وشعارات، وإنما علاقة ثقة بين المواطن ومن يتصدى للعمل السياسي، وعندما تغيب هذه الثقة تصبح الأشكال التنظيمية، مهما بدت قوية، عاجزة عن تحقيق معناها الحقيقي.

المواطن لا ينتظر من الحزب أن يطرق بابه في موسم الانتخابات ثم يختفي، ولا يريد خطابًا سياسيًا منفصلًا عن حياته اليومية. المواطن لديه أسئلة واضحة تتعلق بفرصة العمل، ومستقبل أبنائه، والخدمات في قريته أو مدينته، وصاحب المصنع الذي يريد أن يتوسع، والشاب الذي يبحث عن بداية لمشروع، والحرفي الذي يريد الحفاظ على مهنته، والأسرة التي تواجه ضغوط الحياة. هذه التفاصيل ليست بعيدة عن السياسة، بل هي في صميمها، والحزب الذي لا يستطيع أن يقرأها ويقترب منها سيظل بعيدًا عن المواطن مهما كان حضوره في المشهد العام.

وقد تأسس حزب الجبهة الوطنية من البداية على فلسفة تقوم على توسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز ثقافة الحوار، وفتح المجال أمام مختلف فئات المجتمع للمشاركة في الحياة السياسية، مع التأكيد على أن العمل الحزبي يجب أن يرتبط بمصلحة الوطن والمواطن، وأن يكون قادرًا على استعادة الثقة في العمل السياسي والحزبي.

ولابد أن يكون لسان الحال أن  هذه ليست شعارات تضاف إلى خطاب الحزب بعد تأسيسه، وإنما جزء من المنطلق الذي قام عليه الحزب منذ البداية، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على كل أمانة وكل تنظيم حزبي في المحافظات والمراكز والقرى لترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة يشعر بها المواطن على أرض الواقع.

ومن هنا فإن الاقتراب من المواطن ليس نشاطًا إضافيًا يمكن للحزب أن يقوم به أو يتوقف عنه، وإنما هو جزء أصيل من فكرة الحزب نفسها. فالحزب الذي يقوم على المشاركة لا يستطيع أن يعمل بعيدًا عن الناس، والحزب الذي يتحدث عن الحوار يجب أن يفتح أبوابه للرأي المختلف، والحزب الذي يضع المواطن في قلب اهتمامه يجب أن يسمعه قبل أن يتحدث باسمه، وأن يعرف مشكلاته من أصحابها، لا من التقارير وحدها.

والعمل السياسي الحقيقي لا يبدأ قبل الانتخابات بأسابيع ثم ينتهي بإعلان النتائج. الأحزاب التي تريد أن يكون لها دور حقيقي في المجتمع يجب أن تكون موجودة طوال الوقت، وأن تحافظ على اتصال دائم بالناس، لأن الثقة لا تُبنى في موسم انتخابي، ولا يمكن أن تُصنع بمؤتمر أو لافتة أو خطاب.. الثقة تُبنى بالمواقف، وبالاستماع، وبأن يشعر المواطن أن هناك من يتعامل مع مشكلته بجدية حتى لو لم يكن يملك حلها منفردًا.

والأحزاب ليست بديلًا عن مؤسسات الدولة، ولا ينبغي أن تعد الناس بما لا تملكه، لكن لديها دور سياسي ومجتمعي مهم في نقل صوت المواطنين بصورة منظمة، وفي دراسة المشكلات، والاستعانة بالمتخصصين، وطرح الحلول والمقترحات، وفتح قنوات اتصال بين المجتمع ومؤسساته. وهناك فارق كبير بين مجرد نقل شكوى وبين تحويل المشكلة إلى ملف واضح، تُعرف أسبابه وتُدرس أبعاده وتُطرح بشأنه بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ.

وفي دمياط تحديدًا، لا يمكن أن يكون العمل السياسي بعيدًا عن طبيعة المحافظة وخصوصيتها. دمياط محافظة قامت على العمل والإنتاج والصناعة والتجارة والحرف، ويعرف أبناؤها معنى أن يبدأ الإنسان مشروعه بإمكانات محدودة ثم يبنيه بجهده وخبرته. ولذلك فإن الاستماع إلى أصحاب المصانع والورش، والعاملين والحرفيين والتجار والصيادين وأصحاب المشروعات الصغيرة والشباب الراغبين في دخول سوق العمل، ليس شأنًا اقتصاديًا فقط، وإنما جزء من العمل السياسي الذي يرتبط مباشرة بمصالح المواطنين ومستقبل المحافظة.

دمياط تمتلك فرصًا كبيرة، كما تواجه تحديات حقيقية، ولا يمكن لأي حزب يريد أن يكون جزءًا من حياة المحافظة أن يناقش هذه القضايا من داخل المكاتب فقط. أصحاب الصناعة أدرى بمشكلاتها، والعامل أدرى بما يواجهه داخل سوق العمل، والشاب الباحث عن فرصة لديه ما يجب أن يُسمع، وأصحاب الخبرات يستطيعون تقديم حلول قد لا تظهر في التقارير الرسمية. ولذلك فإن وجود الحزب بين هذه الفئات والاستماع إليها وجمع الخبرات المختلفة حول الملفات المهمة هو التطبيق الطبيعي للفكرة التي تأسس عليها حزب الجبهة الوطنية.

والشباب كذلك يمثلون جزءًا أساسيًا من فلسفة المشاركة السياسية. لا يمكن الحديث عن تجديد الحياة الحزبية بينما يظل الشباب مجرد جمهور للفعاليات أو رقم في كشوف العضوية. المشاركة الحقيقية تعني إتاحة الفرصة لهم للتعلم والعمل وتحمل المسؤولية، والاستفادة من أفكارهم وقدرتهم على التعامل مع متغيرات العصر. فالأحزاب لا تبني حاضرها فقط، وإنما يفترض أن تصنع كوادر تستطيع أن تتحمل مسؤولية العمل العام في المستقبل.

والأمر ذاته ينطبق على المرأة، وعلى أصحاب الخبرات والتخصصات المختلفة. الحزب الذي يريد أن يعبر عن المجتمع يجب أن يشبه المجتمع في تنوعه، وأن يفتح المجال أمام الطبيب والمهندس والمدرس والعامل والصانع والتاجر والمزارع والأكاديمي والشاب والمرأة، لأن السياسة التي تنفصل عن أصحاب الخبرة اليومية تتحول تدريجيًا إلى خطاب نظري لا يشعر به المواطن.

كما أن استعادة الثقة في الحياة الحزبية تتطلب خطابًا صادقًا يحترم عقل الناس. المواطن لا يحتاج إلى وعود أكبر من قدرة أصحابها على التنفيذ، ولا إلى الحديث معه وكأن كل مشكلة يمكن حلها في لحظة، الصدق في السياسة يبدأ من معرفة حدود الدور، ومن التفرقة بين ما يستطيع الحزب أن يفعله بنفسه، وما يستطيع أن يطرحه أو يتابعه مع مؤسسات الدولة، وما يحتاج إلى وقت أو تشريع أو موارد.

قد يكون من السهل إطلاق وعد كبير، لكن الأصعب والأكثر احترامًا للمواطن أن تشرح له الواقع كما هو، وأن تقول ماذا يمكن أن نفعل وماذا يحتاج إلى وقت. لأن المصداقية هي رأس المال الحقيقي للعمل السياسي، والثقة قد تحتاج إلى سنوات حتى تُبنى، بينما يمكن أن تضيع سريعًا بسبب خطاب لا يطابق الواقع.

وحين تأسس حزب الجبهة الوطنية على فكرة المشاركة الشعبية والحوار وإثراء الحياة السياسية، كان ذلك تعبيرًا عن إدراك أن المواطن لم يعد يقبل أن يكون مجرد متلقٍ للسياسة، وإنما يجب أن يكون شريكًا فيها. ولذلك فإن نجاح الحزب لا يمكن قياسه فقط بعدد المقار أو الاجتماعات أو الفعاليات، وإنما بمقدار ما ينجح في تحويل هذه المبادئ إلى وجود حقيقي وسط الناس وإلى مساحات تسمح للمواطن بأن يتحدث ويقترح ويناقش ويشارك.

والعمل الحزبي القوي يبدأ من المحافظات، لأن لكل محافظة واقعًا مختلفًا وأولويات مختلفة. ما يصلح لمدينة كبرى قد لا يكون هو الأولوية في قرية، وما يشغل محافظة صناعية قد يختلف عن محافظة تعتمد بصورة أكبر على الزراعة أو السياحة. ولهذا فإن قوة التنظيم الحزبي لا تكون في تكرار خطاب واحد في كل مكان، وإنما في قدرته على فهم المجتمع الذي يعمل داخله، وتحديد أولوياته، والاستماع إلى أبنائه.

وفي دمياط لدينا ملفات تستحق عملاً مستمرًا، بداية من صناعة الأثاث والصناعات المرتبطة بها، مرورًا بالمشروعات الصغيرة وفرص الاستثمار والتشغيل، ووصولًا إلى التعليم والصحة والخدمات وقضايا الشباب. والمطلوب في التعامل مع هذه الملفات ليس انتظار حدوث مشكلة ثم التحرك، وإنما بناء حوار مستمر مع أصحاب الشأن، بحيث يصبح الحزب حاضرًا قبل الأزمة وليس بعدها فقط.

إن المواطن لا يطلب من الأحزاب أن تحل بمفردها كل مشكلات المجتمع، ولا يتوقع منها أن تمتلك عصًا سحرية، لكنه يريد أن يشعر بأن وجودها في حياته السياسية له معنى. يريد حزبًا يسمع صوته، ويقترب من مشكلاته، ويستفيد من خبراته، ويمنحه مساحة حقيقية للمشاركة، ويعامل السياسة باعتبارها خدمة عامة ومسؤولية وليست مجرد منافسة على المواقع.

ولهذا فإن سؤال «ماذا يريد المواطن من الأحزاب؟» لا يحتاج إلى إجابة معقدة. المواطن يريد أن يجد الحزب حين يحتاج إليه، لا حين يحتاج الحزب إليه. يريد أن يكون شريكًا لا متفرجًا، وأن يشعر بأن أبواب العمل العام مفتوحة أمامه، وأن صوته له قيمة، وأن السياسة يمكن أن تكون أداة لتحسين حياة الناس وليست عالمًا منفصلًا عنهم.

وهذا تحديدًا هو المعنى الذي قام عليه حزب الجبهة الوطنية منذ تأسيسه: المشاركة، والحوار، والاقتراب من المواطن، وإثراء الحياة السياسية من خلال عمل منظم يضع مصلحة الوطن والمواطن في مقدمة أولوياته.

لأن الحزب الذي ينجح في الوصول إلى الناس قد يكسب حضورًا سياسيًا، أما الحزب الذي ينجح في الاستماع إليهم وإشراكهم، فهو الذي يبني الثقة.

والسياسة الحقيقية لا تبدأ من المقرات.. بل من المواطن.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.