باحثون يزرعون أنسجة من مخ بشري داخل فئران لدراسة أمراض عصبية معقدة

29 سبتمبر 2026 15:48

أجرى فريق من الباحثين في الولايات المتحدة تجربة علمية لزراعة أنسجة من مخ بشري داخل رؤوس فئران، مع توصيلها بالشبكات العصبية للقوارض، بهدف دراسة كيفية عمل خلايا المخ البشري في بيئة حية، والبحث عن علاجات لأمراض واضطرابات عصبية يصعب دراستها بالطرق التقليدية.

وقال الباحث سيرجيو باسكا، المتخصص في طب الأعصاب بجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، إن هذه الفئران الهجينة توفر فرصة جديدة لاختبار بعض الأدوية ودراسة أمراض ناجمة عن النمو غير الطبيعي للمخ، مثل الشلل الدماغي، مشيرًا في تصريحات لموقع «نيتشر» المتخصص في البحوث العلمية إلى أن التجربة توفر منظومة لدراسة خصائص العقل البشري والأمراض التي تصيبه.

وأوضح باسكا أن الهدف من التجربة لا يتمثل في خلق فئران فائقة الذكاء، وإنما دراسة خلايا المخ البشري في بيئة واقعية داخل جسم حي، بما يساعد الباحثين على فهم المنظومة العصبية للإنسان والأمراض التي يمكن أن تصيبها، مؤكدًا أن الدراسة خضعت لإجراءات احترازية ورقابة لجان أخلاقية مستقلة متخصصة في الأبحاث البيولوجية.

تجارب سابقة على زراعة أنسجة المخ البشري

وكان باسكا وفريقه البحثي قد أجروا عام 2022 تجربة لزراعة أنسجة من مخ بشري داخل أمخاخ فئران حديثة الولادة، بهدف السماح للخلايا العصبية البشرية بالتواصل مع المسارات العصبية في أجسام القوارض.

وبعد عامين، درس الفريق استجابة هذه الفئران لبعض أنواع الأدوية المعروفة باسم «النيوكليوتيدات» في علاج متلازمة تيموثي، وهي اضطراب وراثي خطير يرتبط بالتوحد وبعض أنواع الصرع.

وفي التجارب السابقة، زُرعت أنسجة المخ البشري داخل أمخاخ فئران اكتمل نموها بالفعل، وكانت خلايا المخ الطبيعية تشغل معظم المساحة داخل الرأس، وهو ما دفع الباحثين إلى تطوير نموذج جديد يتيح للأنسجة البشرية مساحة أكبر للنمو.

تعديل جيني لإتاحة مساحة للخلايا البشرية

وفي التجربة الأخيرة، لجأ الباحثون إلى تخليق فئران معدلة جينيًا لا تمتلك الخلايا السلفية أو الجذعية التي تتحول خلال مراحل النمو إلى خلايا القشرة الدماغية داخل رأس الفأر، ما أدى إلى ترك مساحة خالية يمكن أن تنمو فيها الأنسجة البشرية.

وقال جيورجيو كوادراتو، الباحث المتخصص في علم الأعصاب المعرفي التنموي بجامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إن القشرة الدماغية تمثل الجزء الخارجي من المخ والمسؤولة عن عدد من الوظائف المعرفية المهمة، من بينها التفكير المركب والذاكرة.

وأظهرت التجربة أن الخلايا البشرية المزروعة في رؤوس الفئران الصغيرة نمت بصورة ملحوظة، إذ زاد حجمها بنحو خمسة أمثال خلال فترة تراوحت بين شهرين وثلاثة أشهر، وشغلت أكثر من 90% من المساحة الخالية في رأس الفأر، كما امتدت منها تفريعات عصبية واتصلت بالحبل الشوكي للقوارض.

خلايا عصبية لم يسبق استزراعها بهذه الطريقة

وأوضح باسكا أن الأنسجة البشرية المزروعة تحولت إلى خلايا عصبية متخصصة من نوع خلايا «فون إيكونومو»، المرتبطة بالتواصل الاجتماعي والمعرفي لدى الإنسان وبعض الحيوانات، وهي خلايا لم ينجح العلماء من قبل في استزراعها بهذه الصورة داخل المختبرات.

وأشار إلى أن هذه النوعية من الخلايا يُعتقد أنها ترتبط بعدد من الاضطرابات التنكسية العصبية، ولا سيما الخرف الجبهي الصدغي، ما يفتح المجال أمام دراسة وظائفها وتأثرها بالأمراض العصبية.

محاكاة إصابات مرتبطة بالشلل الدماغي

ولاختبار مدى إمكانية استخدام الأنسجة البشرية المزروعة لدراسة الأمراض العصبية، عرّض الباحثون الفئران الصغيرة لظروف تحفز الإصابة باضطرابات مشابهة للشلل الدماغي، من بينها نقص الأكسجين.

وأظهرت النتائج أن الفئران التي تحمل الأنسجة البشرية أصيبت باختلالات في الوظائف الحركية، بما يشبه بعض الأعراض المرتبطة بالشلل الدماغي لدى البشر، وهو ما يشير إلى إمكانية استخدام هذا النموذج في إجراء أبحاث مستقبلية حول أسباب المرض وتطوير علاجات محتملة له.

مخاوف أخلاقية من الكائنات الهجينة

وأثارت التجربة في الوقت نفسه نقاشًا حول الجوانب الأخلاقية المتعلقة بزراعة أنسجة بشرية داخل الحيوانات، إذ قالت سارة تشان، المتخصصة في أخلاقيات الأبحاث البيولوجية بجامعة إدنبرة البريطانية، إن الكائنات الخيمرية التي تحتوي على مجموعات مختلفة من الأنسجة الحية تُستخدم في الأبحاث العلمية منذ عقود، إلا أن القلق يرتبط باحتمال إنتاج كائنات هجينة قد تجمع بعض الصفات البشرية والحيوانية.

في المقابل، أكد كوادراتو عدم وجود مؤشرات تدعو إلى القلق من تحول هذه الفئران إلى حيوانات واعية، موضحًا أن اختلاف الجدول الزمني لنضج الخلايا العصبية بين البشر والفئران، إلى جانب الفروق الكبيرة بين النوعين، لا يسمح بحدوث تكامل يجعل المخ الهجين يؤدي وظائف المخ البشري.

ورغم استمرار المخاوف بشأن احتمال نمو القشرة المخية لدى بعض الحيوانات الهجينة بصورة تتجاوز التوقعات، أو استخدام تقنيات مماثلة مستقبلًا مع ثدييات أقرب إلى الإنسان، مثل القردة العليا، يرى باسكا أن هذه الأبحاث تستند

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.