تمتلك صناعة الأثاث المصرية تاريخًا طويلًا وخبرة تراكمية لا يمكن التقليل من قيمتها، خاصة في المدن التي ارتبط اسمها بهذه الصناعة لعقود، وعلى رأسها دمياط. ومع ذلك، فإن امتلاك المهارة وحده لم يعد كافيًا لضمان مكان قوي في الأسواق العالمية، لأن المنافسة اليوم لم تعد فقط بين منتج جيد وآخر أقل جودة، وإنما أصبحت منافسة متكاملة تشمل التصميم، والجودة، والسعر، وسرعة التنفيذ، والتسويق، والالتزام بالمواصفات، وخدمات ما بعد البيع.
إذا أردنا للأثاث المصري أن يحصل على الحصة التي يستحقها في الأسواق الخارجية، فعلينا أولًا أن ننظر إلى التصدير باعتباره صناعة قائمة بذاتها، وليس مجرد محاولة لبيع فائض الإنتاج خارج السوق المحلي. المصنع الذي يستهدف التصدير يجب أن يبدأ منذ مرحلة التصميم وهو يعرف السوق الذي يريد دخوله، واحتياجات العميل في هذا السوق، والمقاسات المطلوبة، والأذواق السائدة، ومستوى الأسعار، والمواصفات الفنية التي يجب الالتزام بها.
ومن أهم نقاط القوة التي يمتلكها المنتج المصري وجود قاعدة كبيرة من الحرفيين والفنيين أصحاب الخبرة، إلى جانب قدرة المصانع على تنفيذ التصميمات الخاصة وتلبية احتياجات الفنادق والمشروعات الكبيرة. وهذه ميزة مهمة في قطاع الأثاث الفندقي على وجه الخصوص، لأن هذا القطاع لا يعتمد دائمًا على المنتجات القياسية، بل يحتاج إلى حلول يتم تصميمها وتصنيعها بما يتناسب مع هوية كل مشروع.
لكن الوصول إلى الأسواق العالمية يتطلب تحويل هذه الخبرة من مهارة فردية إلى منظومة صناعية واضحة. يجب أن تكون الجودة قابلة للقياس والتكرار، فلا يجوز أن تكون قطعة ممتازة وأخرى أقل مستوى داخل نفس الطلبية. العميل الدولي يبحث عن مصنع قادر على الالتزام بالمواصفات في مئات أو آلاف القطع بنفس مستوى الدقة.
كذلك أصبح التصميم عنصرًا أساسيًا في المنافسة. العالم لا يشتري الخشب وحده، وإنما يشتري فكرة وتصميمًا وهوية. ولهذا تحتاج المصانع المصرية إلى الاستثمار بصورة أكبر في التصميم الصناعي، ومتابعة الاتجاهات العالمية في الأثاث والديكور، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشخصية المصرية التي يمكن أن تصبح عنصر تميز حقيقي إذا تم تقديمها بصورة عصرية.
أما السعر، فهو عنصر مهم لكنه ليس العامل الوحيد. هناك خطأ يقع فيه بعض المصنعين عندما يعتقدون أن الطريق إلى التصدير هو تقديم أقل سعر ممكن. المنافسة الحقيقية لا تكون دائمًا بالأرخص، وإنما بأفضل قيمة مقابل السعر. قد يقبل المشتري سعرًا أعلى إذا حصل في المقابل على جودة أفضل، والتزام حقيقي في مواعيد التسليم، وتغليف مناسب، وسرعة في التعامل، وقدرة على حل المشكلات.
وتبرز هنا أهمية تطوير الإدارة داخل المصانع. فالتصدير يحتاج إلى فرق متخصصة في التسويق والمبيعات الدولية، وإدارة المشروعات، وخدمة العملاء، واللوجستيات، وليس الاعتماد فقط على مهارة الإنتاج. المنتج الممتاز يمكن أن يخسر فرصة تصديرية بسبب عرض سعر غير احترافي، أو تأخر في الرد، أو ضعف في العرض الفني، أو عدم وضوح مواعيد التسليم.
كما أن المعارض الدولية تمثل وسيلة مهمة للوصول إلى الأسواق الجديدة، ولكن المشاركة فيها يجب أن تكون جزءًا من خطة واضحة وليست مجرد حضور. المصنع يحتاج قبل أي معرض إلى دراسة الشركات والعملاء المستهدفين، وتجهيز عينات وكتالوجات احترافية، ثم متابعة الاتصالات بعد انتهاء المعرض وتحويلها إلى علاقات تجارية حقيقية.
وتوجد أمام الأثاث المصري فرص كبيرة في الأسواق العربية والأفريقية، إلى جانب فرص في الأسواق الأوروبية التي تبحث عن موردين قادرين على الجمع بين الجودة والتكلفة التنافسية والمرونة في التنفيذ. ولكن النجاح في هذه الأسواق يحتاج إلى دراسة كل سوق بصورة مستقلة، لأن ما يناسب عميلًا في الخليج قد لا يناسب العميل الأوروبي أو الأفريقي.
وفي قطاع الأثاث الفندقي تحديدًا، أرى أن مصر تمتلك فرصة قوية للغاية. التوسع في إنشاء الفنادق والمنتجعات والمشروعات السياحية في المنطقة يفتح بابًا واسعًا أمام الشركات المصرية القادرة على تنفيذ المشروعات المتكاملة. وهنا يجب ألا نبيع أنفسنا كمصانع تنتج قطع أثاث فقط، وإنما كشركات تستطيع تقديم حلول متكاملة تشمل التصميم والتصنيع والتوريد والتركيب.
كما أن بناء علامات تجارية مصرية قوية يمثل خطوة ضرورية للمستقبل، لسنوات طويلة عملت مصانع عديدة كموردين أو مصنعين للغير، لكن الوصول إلى مكانة عالمية حقيقية يحتاج إلى بناء أسماء تجارية يعرفها العميل ويثق بها.. فالعلامة التجارية ترفع قيمة المنتج، وتخلق علاقة طويلة الأجل مع الأسواق بدلًا من الاعتماد على صفقة واحدة.
إن صناعة الأثاث المصرية لا ينقصها التاريخ ولا المهارة، لكنها تحتاج إلى مرحلة جديدة من التنظيم والتطوير والتفكير العالمي. علينا أن ننتقل من فكرة «نصنع منتجًا جيدًا» إلى فكرة «نبني منتجًا يستطيع المنافسة عالميًا»، والفرق بين الجملتين كبير.
المنافسة العالمية ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى مصنع يفكر بعقلية السوق الدولي، ويستثمر في الجودة والتصميم والإدارة والتسويق، ويعرف أن التصدير لا يبدأ من الميناء، بل يبدأ من أول قرار داخل المصنع.