وصول مقاتلات «سو-57» إلى الجزائر يعيد رسم ميزان القوى الجوية في المغرب العربي

جهاد علي

أعاد وصول مقاتلات «سو-57» الروسية الشبحية إلى الجزائر فتح النقاش حول مستقبل ميزان القوى العسكرية في منطقة المغرب العربي، في ظل ما تمثله هذه الخطوة من تحول نوعي في قدرات سلاح الجو الجزائري، إلى جانب ما قد تثيره من تداعيات سياسية وعسكرية على المستوى الإقليمي والدولي.

وأكدت تقارير عسكرية وصول مقاتلتين روسيتين من طراز «سو-57» إلى قاعدة أم البواقي الجوية، في خطوة تعزز مكانة الجزائر كأول دولة عربية وإفريقية تدخل الخدمة الفعلية لمقاتلات الجيل الخامس الروسية.

وتُعد «سو-57»، التي تعرف لدى حلف الناتو باسم “Felon”، من أحدث المقاتلات الشبحية التي طورتها روسيا خلال العقد الأخير، وتتميز بقدرات متقدمة تشمل التخفي الراداري والمناورة العالية والطيران بسرعة “سوبر كروز” دون الحاجة إلى الحارق اللاحق، إضافة إلى أنظمة استشعار متطورة تعتمد على دمج البيانات بشكل متكامل داخل قمرة القيادة.

وبحسب المعلومات المتداولة، كانت الجزائر قد وقعت عقدًا مع موسكو عام 2021 للحصول على 14 مقاتلة من النسخة التصديرية «Su-57E»، ضمن صفقة تُقدر بمليارات الدولارات، مع جدول تسليم يمتد حتى عام 2027.

ويرى مراقبون أن هذه الصفقة تمنح الجزائر تفوقًا تقنيًا واضحًا داخل منطقة شمال إفريقيا، خاصة أن المغرب يعتمد حاليًا على مقاتلات «إف-16 فايبر» المطورة، إضافة إلى خطط للحصول على مقاتلات «ميراج 2000» من الإمارات، وهي طائرات تُصنف ضمن الجيل الرابع المطور، لكنها لا تمتلك خصائص التخفي والاندماج الشبكي التي توفرها مقاتلات الجيل الخامس.

ويتمثل الفارق الأساسي في قدرة «سو-57» على تقليل بصمتها الرادارية واختراق الدفاعات الجوية الحديثة، إلى جانب امتلاكها أنظمة حرب إلكترونية واتصال متقدمة تمنح الطيار مستوى أعلى من الوعي الميداني وسرعة اتخاذ القرار.

واختارت الجزائر قاعدة أم البواقي الجوية لاستقبال المقاتلات الجديدة، نظرًا لاحتضانها بالفعل أسرابًا من مقاتلات «Su-30MKA» ومروحيات «Mi-171»، ما يسهل عملية الدمج اللوجستي والتشغيلي داخل البنية العسكرية القائمة المعتمدة على المنظومات الروسية.

كما تشير تقارير إلى استمرار الجزائر في تحديث قواتها الجوية عبر استلام مقاتلات «سو-35»، إلى جانب احتمالات التعاقد مستقبلًا على قاذفات تكتيكية من طراز «سو-34»، بما يعزز قدراتها الهجومية الجوية والأرضية.

وعلى المستوى الدولي، أثارت الصفقة قلقًا داخل الولايات المتحدة، خاصة مع الحديث عن إمكانية فرض عقوبات على الجزائر بموجب قانون «CAATSA»، الذي يستهدف الدول التي تبرم صفقات كبيرة مع قطاع الصناعات العسكرية الروسية.

ويستحضر مراقبون في هذا السياق تجربة تركيا بعد شراء منظومة «إس-400»، وكذلك الضغوط التي تعرضت لها مصر سابقًا بشأن صفقة «سو-35». إلا أن الجزائر تبدو مستعدة لتحمل هذه المخاطر، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ودورها في سوق الطاقة العالمية.

ويرى خبراء أن امتلاك الجزائر لمقاتلات «سو-57» لا يمثل مجرد إضافة عسكرية، بل يحمل أيضًا أبعادًا استراتيجية ورمزية، إذ يفرض على القوى الإقليمية إعادة تقييم منظومات الرادار والدفاع الجوي والتكتيكات القتالية لمواجهة الطائرات الشبحية منخفضة البصمة.

ورغم ذلك، يشير محللون إلى أن تحقيق التفوق العملياتي الكامل يتطلب أكثر من مجرد امتلاك المقاتلة، إذ يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الصيانة المتطورة والتحديثات البرمجية المستمرة والتسليح المناسب والتدريب المكثف للطيارين والفنيين.

وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية بين روسيا والغرب، تعكس هذه الصفقة اتجاه الجزائر نحو تعميق شراكتها العسكرية مع موسكو، في وقت تسعى فيه روسيا للحفاظ على حضورها داخل أسواق السلاح العالمية رغم العقوبات والضغوط الغربية المتزايدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى