كتب:
رامي كمال
جهاد علي
تواصل الدولة المصرية تنفيذ استراتيجية موسعة لتعزيز الأمن الغذائي، عبر التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية وإقامة مشروعات زراعية كبرى، يأتي في مقدمتها مشروع «الدلتا الجديدة»، الذي يمثل أحد أكبر مشروعات التنمية الزراعية في تاريخ مصر الحديث، ويستهدف دعم الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد في ظل تحديات عالمية متصاعدة في سلاسل الإمداد الغذائي.
ويأتي المشروع ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتوفير فرص عمل جديدة، وإنشاء مجتمعات زراعية وعمرانية متكاملة، بما يعكس تحولًا استراتيجيًا في مفهوم التنمية الزراعية داخل الدولة.
افتتاح رسمي يعكس أولوية الدولة لملف الغذاء
شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتاح مشروع «الدلتا الجديدة» التنموي، بالتزامن مع موسم حصاد القمح 2026، في خطوة تؤكد أولوية ملف الأمن الغذائي ضمن أجندة الدولة خلال المرحلة الحالية.
ويعد الافتتاح جزءًا من حزمة مشروعات يتولاها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بهدف التوسع في الرقعة الزراعية وتحقيق نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بالغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.
ويعكس هذا التحرك توجه الدولة نحو تعزيز الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح، باعتباره أحد أهم عناصر الأمن القومي الغذائي.
تصريحات رسمية: الدولة انتقلت من التحدي إلى البناء
أكد الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أن الدولة المصرية نجحت خلال السنوات الأخيرة في الانتقال من مرحلة مواجهة التحديات إلى مرحلة البناء والتنمية الشاملة.
وأوضح أن هذا التحول جاء نتيجة إرادة سياسية واضحة وتخطيط استراتيجي طويل المدى، مكّن الدولة من تنفيذ مشروعات قومية كبرى في مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع الزراعة.
وأشار إلى أن مشروع «الدلتا الجديدة» يمثل أحد أبرز النماذج على هذا التحول، كونه يجسد مفهوم التنمية المتكاملة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة واستغلال الموارد المتاحة بكفاءة.
«الدلتا الجديدة».. أيقونة زراعية بمواصفات استراتيجية
وصف الغنام مشروع «الدلتا الجديدة» بأنه «أيقونة التنمية الزراعية في مصر»، نظرًا لحجمه وأهدافه الاستراتيجية، حيث يستهدف استصلاح ملايين الأفدنة من الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى مناطق إنتاج زراعي متكاملة.
ويمتد المشروع ليشمل تطوير منظومة متكاملة من الزراعة الحديثة، تعتمد على استخدام المياه المعالجة وتقنيات الري المتطورة، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية وتقليل الفاقد المائي.
ويعد المشروع خطوة محورية في اتجاه تعزيز الإنتاج المحلي من المحاصيل الأساسية، وعلى رأسها القمح، إلى جانب محاصيل استراتيجية أخرى تدخل في الأمن الغذائي للدولة.
البنية الجغرافية للمشروع ودوره في التنمية المتكاملة
يتميز مشروع «الدلتا الجديدة» بموقع جغرافي استراتيجي يربطه بعدد من المحاور الحيوية، من بينها محور روض الفرج والطريق الإقليمي، إضافة إلى قربه من مطار سفنكس والميناء الجاف بمدينة السادس من أكتوبر.
كما يقع المشروع بالقرب من مدينة العلمين الجديدة، وهو ما يعزز من فرص الاستثمار وربط الأنشطة الزراعية بالمجتمعات العمرانية الجديدة، في إطار رؤية الدولة لدمج التنمية الزراعية بالعمرانية والصناعية.
ويُتوقع أن يسهم هذا التكامل في خلق مراكز اقتصادية جديدة تدعم النمو الاقتصادي وتقلل الضغط على الوادي والدلتا التقليديين.
استصلاح ملايين الأفدنة.. توسع غير مسبوق
تستهدف الدولة ضمن خطتها الشاملة استصلاح أكثر من 4.5 مليون فدان، في إطار مشروع وطني ضخم لإعادة رسم الخريطة الزراعية في مصر.
ويُعد «الدلتا الجديدة» أحد أهم مكونات هذه الخطة، حيث يمثل محورًا رئيسيًا لزيادة الرقعة الزراعية وتعزيز الإنتاج المحلي، بما يساهم في تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية.
كما يتيح المشروع فرصًا واسعة لإقامة مجتمعات زراعية جديدة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة في الزراعة والإنتاج والتصنيع الغذائي.
الأمن الغذائي في قلب الاستراتيجية الوطنية
يمثل مشروع «الدلتا الجديدة» أحد أهم أدوات الدولة لتحقيق الأمن الغذائي، من خلال زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد في ظل التقلبات العالمية.
كما يساهم المشروع في دعم استقرار الأسواق المحلية، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات العالمية المرتبطة بالغذاء وسلاسل التوريد.
ويرى خبراء أن هذه المشروعات تمثل تحولًا استراتيجيًا في السياسة الزراعية المصرية، حيث لم تعد الزراعة نشاطًا تقليديًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي.
استخدام المياه المعالجة.. توجه نحو الاستدامة
يعتمد المشروع بشكل أساسي على استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة في عمليات الري، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق الاستدامة في إدارة الموارد المائية.
ويُعد هذا التوجه خطوة مهمة في ظل التحديات المائية التي تواجهها مصر، حيث يسهم في تقليل الضغط على الموارد التقليدية وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من المياه المتاحة.
كما يدعم هذا النظام فكرة الزراعة الذكية التي تعتمد على التكنولوجيا في تحسين الإنتاجية وتقليل الهدر.
تنمية شاملة وفرص عمل جديدة
لا يقتصر مشروع «الدلتا الجديدة» على الجانب الزراعي فقط، بل يمتد ليشمل إنشاء مجتمعات عمرانية وزراعية متكاملة، توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف المواطنين.
كما يسهم المشروع في دعم الصناعات المرتبطة بالزراعة مثل التصنيع الغذائي والتخزين والنقل، بما يعزز من القيمة المضافة للقطاع الزراعي.
ويُتوقع أن يكون للمشروع دور مهم في إعادة توزيع السكان وتقليل الكثافة السكانية في المناطق التقليدية.
يمثل مشروع «الدلتا الجديدة» خطوة استراتيجية في مسار الدولة المصرية نحو بناء اقتصاد زراعي حديث ومستدام، يجمع بين التوسع في الرقعة الزراعية والتكنولوجيا الحديثة وإدارة الموارد بكفاءة.
ومع استمرار تنفيذ المشروعات القومية الكبرى في قطاع الزراعة، تتجه مصر نحو مرحلة جديدة من تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق تنمية اقتصادية متكاملة ومستدامة للأجيال القادمة.