العلاقات المصرية الفرنسية.. تاريخ ممتد من الحضارة والتعاون الاستراتيجي
جهاد علي
تُعد العلاقات بين مصر وفرنسا واحدة من أعرق العلاقات الدولية وأكثرها تنوعًا، إذ تستند إلى تاريخ طويل من التبادل الحضاري والثقافي والعلمي والسياسي، قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين البلدين.
وعلى مدار أكثر من قرنين، شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تطورات متلاحقة، بدأت منذ الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وصولًا إلى الشراكة الاستراتيجية التي تربط البلدين اليوم في مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة والتعليم والثقافة.
الحملة الفرنسية.. بداية التواصل الحديث
تعود جذور العلاقات الحديثة بين البلدين إلى عام 1798، عندما قاد نابليون بونابرت الحملة الفرنسية على مصر، وهي الحملة التي استمرت حتى عام 1801 وشكلت نقطة تحول مهمة في تاريخ التواصل الحضاري والعلمي بين القاهرة وباريس.
ورغم الطابع العسكري للحملة، فإنها حملت معها عشرات العلماء والباحثين الفرنسيين الذين ساهموا في دراسة الحضارة المصرية وتوثيقها، الأمر الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاهتمام الأوروبي بمصر القديمة.
ومن أبرز نتائج تلك الفترة اكتشاف حجر رشيد عام 1799 على يد الجندي الفرنسي بيير فرانسوا بوشار بالقرب من مدينة رشيد، وهو الاكتشاف الذي أصبح المفتاح الرئيسي لفك رموز اللغة الهيروغليفية.
شامبليون وفك رموز الحضارة المصرية
وفي عام 1822، نجح العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون في فك رموز اللغة الهيروغليفية باستخدام حجر رشيد، ليؤسس بذلك علم المصريات الحديث، ويعيد اكتشاف الحضارة المصرية القديمة أمام العالم.
وشكل هذا الإنجاز العلمي نقطة تحول كبرى في الدراسات الأثرية والتاريخية، ورسخ مكانة فرنسا كإحدى الدول الأكثر اهتمامًا بالحضارة المصرية وتراثها.
محمد علي والبعثات التعليمية إلى فرنسا
شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تطورًا كبيرًا خلال عهد محمد علي باشا، الذي اعتمد على الخبرات الفرنسية في بناء الدولة الحديثة وتطوير التعليم والجيش والإدارة.
وأرسل محمد علي بعثات علمية مصرية إلى فرنسا لدراسة العلوم والطب والهندسة والآداب الحديثة، وكان من أبرز رموز هذه المرحلة رفاعة الطهطاوي، الذي لعب دورًا بارزًا في نقل الفكر والثقافة الأوروبية إلى مصر.
كما شهدت تلك الفترة إنشاء عدد من المدارس الحديثة مثل مدرسة الألسن والمهندسخانة والفنون والصنائع، في إطار مشروع تحديث الدولة المصرية.
القاهرة الخديوية.. باريس الشرق
امتد التأثير الفرنسي إلى العمارة والتخطيط العمراني في مصر، خاصة خلال عهد الخديوي إسماعيل، الذي استعان بمهندسين ومخططين فرنسيين لتطوير القاهرة الخديوية.
وخلال تلك الفترة، اكتسبت القاهرة لقب “باريس الشرق”، بفضل شوارعها الواسعة وطابعها المعماري الأوروبي، الذي تأثر بشكل كبير بالنموذج الفرنسي.
كما ظهرت البصمة الفرنسية بوضوح في مدينة الإسماعيلية، التي أُنشئت على الطراز الفرنسي لتكون مقرًا لشركة قناة السويس العالمية للملاحة.
قناة السويس.. مشروع عالمي بسواعد المصريين
لعب المهندسون الفرنسيون بقيادة فرديناند ديلسبس دورًا رئيسيًا في إعداد الدراسات الهندسية الخاصة بمشروع حفر قناة السويس، التي افتُتحت رسميًا عام 1869 بحضور عدد كبير من ملوك ورؤساء العالم.
وأصبحت القناة لاحقًا أحد أهم الممرات الملاحية الدولية، ومصدرًا رئيسيًا للتجارة العالمية.
ورغم الإشراف الهندسي الفرنسي على المشروع، فإن المصريين كانوا القوة الأساسية التي قامت بحفر القناة، حيث قدموا تضحيات هائلة خلال سنوات العمل الشاقة تحت ظروف قاسية.
شراكة استراتيجية في العصر الحديث
في العقود الأخيرة، شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تطورًا ملحوظًا على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، خاصة مع تنامي التعاون في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والطاقة والنقل والتنمية.
وأصبحت مصر شريكًا استراتيجيًا مهمًا لفرنسا في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة.
وشهد أبريل 2025 محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، والتي تم خلالها الإعلان عن رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة.
كما شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الاقتصاد والصحة والطاقة والإسكان والتعليم.
جولة الحسين وخان الخليلي
حظيت جولة الرئيس الفرنسي مع عبد الفتاح السيسي في منطقتي الحسين وخان الخليلي باهتمام واسع، حيث عكست الطابع الحضاري والثقافي للعلاقات بين البلدين.
كما لاقت زيارة ماكرون إلى جامعة القاهرة اهتمامًا كبيرًا، بعدما أكد خلالها عمق الروابط الثقافية والعلمية بين مصر وفرنسا.
جامعة سنجور.. بوابة للتعليم الإفريقي
وفي إطار تعزيز التعاون التعليمي والثقافي، يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة رسمية إلى مصر لافتتاح المقر الجديد لـ جامعة سنجور بمدينة برج العرب.
ويُقام المقر الجديد على مساحة 10 أفدنة، وفق أحدث المعايير الأكاديمية، بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعة واستقبال مزيد من الطلاب الأفارقة اعتبارًا من سبتمبر 2026.
ويضم الحرم الجامعي الجديد:
- مبنيين أكاديميين.
- مبنى إداري.
- قاعة مؤتمرات.
- سكنًا للطلاب والموظفين والزائرين.
- منشآت رياضية متكاملة.
وتأسست جامعة سنجور في الإسكندرية عام 1990، وتُعد إحدى المؤسسات التابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وقد سُميت تيمّنًا بالرئيس والشاعر السنغالي ليوبولد سنجور.
وتركز الجامعة على إعداد كوادر إفريقية متخصصة في مجالات التنمية والصحة والبيئة والثقافة والإدارة والتعليم.
علاقات تتجاوز السياسة
لا تقتصر العلاقات المصرية الفرنسية على التعاون السياسي فقط، بل تمتد إلى مجالات الثقافة والتعليم والآثار والطاقة والنقل والصناعات الدفاعية، ما يجعلها واحدة من أكثر العلاقات الدولية تنوعًا واستقرارًا في المنطقة.