العلاقات المصرية الكورية.. “حرب أكتوبر وثيقة للتاريخ “

 

العلاقات بين الدول هي ركيزة أساسية في بناء المجتمع الدولي، حيث تلعب دورًا حيويًا في تعزيز التعاون،ويحقق التعاون بين الدول الركيزة الأساسية في النهوض بمستوى الاقتصاد والتنمية الشاملة،  كما أنه يسهم في خلق حالة من الترابط وتوطيد أواصر الصداقة بين  الشعوب للاستفادة من الخبرات المتبادلة  في كافة المجالات؛ فزيادة التعاون و التجارة البينية بين الدول من شأنها أن ترفع  الاقتصاد والمستوى المعيشي للفرد، سيَّما وأن  زيادة النمو الاقتصادي في البلدان  قد تؤدي حتما إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي والدولي وتنشر السلم والسلام في ربوع المعمورة، كما يساعد في حل النزاعات، وتحقيق الاستقرار العالمي.

 

تعتمد هذه العلاقات على مجموعة من المبادئ والقيم المشتركة، مثل الاحترام المتبادل، السيادة، والمساواة. في هذا السياق، تسعى الدول إلى تعزيز التعاون الدولي في مجالات متعددة، مثل التجارة، الأمن، والتنمية المستدامة، لتحقيق مصالحها الوطنية وتعزيز رفاهية شعوبها.

من خلال فهم هذه المبادئ والأهداف، يمكن للدول بناء علاقات قوية ومستدامة تسهم في تحقيق السلم والازدهار العالمي.

 

وانطلاقا من هذه المفاهيم تبلورت العلاقات الثنائية بين مصر وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) في خمسينات القرن الماضي بين البلدين كنتاج طبيعي خلال حقبة تاريخية كانت تموج بها نداءات الشعوب الداعية للتحرر الوطني والكفاح ضد الاستعمار والنضال من أجل الحرية، مما ساهم ولازال يسهم في تحقيق استتباب السلم والأمن الدوليين ومؤازرة ومناصرة قضايا التحرر الوطني وخاصة القضية الفلسطينية العادلة وقضية توحيد شطري شبه الجزيرة الكورية بالوسائل السلمية. هذا ومن جانب مصر فتثمن على دور كوريا الداعم دائماً للحق العربي وبشكل مطلق في كافة القضايا العربية العادلة.

 

تنهج مصر نهجا سياسيا يحرص على التواصل مع جميع دول العالم وتنمية علاقتها الودية، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات الاقتصادية، دون النظر إلى التوجهات السياسية للدول أو علاقتها بغيرها من الدول، ولقد كان للعلاقات المميزة بين القيادة السياسية المصرية والكورية أبلغ الأثر على مسار العلاقات الثنائية بين البلدين والدولية أيضاً من خلال التنسيق الدائم والتعاون المستمر بين الدولتين في المحافل الدولية خاصة وأن الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية التي تجمعهما ليست بالقليلة ومن بينها الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز.

 

لا تنسى مصر الدور الذي لعبته كوريا الديمقراطية إبان حرب أكتوبر عام 1973 بإرسالها طيارين مقاتلين كوريين إلى مصر آنذاك فقد كان لهذا الفعل آثره على علاقات البلدين الصديقين وبخاصة من جانب مصر في الحرص على تنمية وتطوير العلاقات الثنائية ولاسيما بعدها الإنساني فقد قدمت مصر كل الدعم لكوريا اثناء تعرضها للفيضانات المدمرة التي تعرضت لها البلاد عام 2007 من أجل المساهمة في التخفيف من وطأة تلك الكارثة عن الشعب الكوري بجانب الدعم للقضية الكورية العادلة في المحافل الدولية.

 

وحين نستعرض بداية التعاون الاقتصادي بين البلدين الذي بدأ عام 1957، وتطور إلى مرحلة إقامة العلاقات القنصلية عام 1961  ثم الإعلان عن تبادل التمثيل الدبلوماسي عام 1963، وافتتحت السفارة المصرية في بيونج يانج في 26 نوفمبر عام 1963 على مستوى قائم بالأعمال، وتم رفع درجة التمثيل إلى مستوى السفراء في عام1965.

 

وفي عهد الحرب الباردة كانت مصر واحدة من الشركاء التجاريين الرئيسيين لبيونغ يانغ ، واستمرت تلك العلاقات بين مصر وكوريا الديمقراطية بانضمام البلدين إلى حركة عدم الانحياز والتضامن المشترك مع الاتحاد السوفييتي خلال الخمسينيات والستينيات منذ تولي الرئيس جمال عبد الناصر السلطة في مصر.

 

لا ينكر أحد قيمة وقدر الرئيس جمال عبد الناصر وشخصيته الجذابة بدرجة كافية داخل حركة عدم الانحياز خلال أزمة السويس عام 1956، وحظى قراره بتأميم القناة بدعم كبير من كوريا الديمقراطية برئاسة الزعيم كيم ايل سونغ، وبعد استقلال مصر من العدوان الثلاثي، كان الزعيم الكوري داعما لمصر كصديق مخلص.

 

كان لموقف كوريا الداعم لمصر وانحياز للحق المصري كوريا الشمالية خلال أزمة السويس 56 الطريق أمام تحالف قوي بين البلدين خلال الستينيات، وفي عام 1961، وصل وفد دبلوماسي كوري شمالي إلى مصر بهدف إقامة علاقات قنصلية، ومن أجل تعزيز المواءمة مع القاهرة، قدم السياسيون في كوريا الشمالية دعما دبلوماسيا لجهود مصر في حرب اليمن ضد الاحتلال البريطاني.

 

كان لموقف كوريا الديمقراطية  كبير الأثر في قلوب القيادة المصرية والشعب المصري  حيث أدانت كوريا الشمالية بشدة إسرائيل خلال حرب الأيام الستة لعام 1967. وأدت هذه الإجراءات إلى زيادة الثقة بين مصر وكوريا الشمالية، وشجعت مصر في طلب الدعم من كوريا الديمقراطية  بطيارين مقاتلين لمساعدة مصر في الحرب ضد الكيان الصهيوني الإسرائيلي في عام 1973.

 

كان للانتصار المصري على الكيان الصهيوني في عام 1973 الأثر البالغ في العلاقات المصرية الكورية ، حيث نشأت اتصالات شخصية بين الحكومتين المصرية والكورية ، عززتها الزيارات الأربع التي قام بها الرئيس مبارك إلى بيونج يانج في الفترة من 1983 إلى 1990، نتيجة ذلك تم وضع الأساس للاستثمارات المصرية اللاحقة في الاقتصاد الكوري الشمالي.

 

من هذا المنطلق بدأ التشاور السياسي بين وزارتي الخارجية المصرية والكورية وتم عقد عدة مذكرات تفاهم من أجل تنشيط العلاقات المصرية الكورية من خلال زيارات رسمية بين البلدين .

 

مصر دولة محورية في العالم ولها ثقل دولي ونهجها السياسي يعتمد على دعم حقوق الدول أصحاب الحق،  ودائما تدعم  مصر للموقف الكوري الشمالي في المحافل الدولية بخصوص الموضوعات وقرارات الأمم المتحدة وذلك انطلاقاً من قناعة مصر الراسخة بمبدئي “عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول” و”عدم  تسييس موضوعات حقوق الإنسان، وكذا العمل على التصدي للسياسات ذات “المعايير المزدوجة” تجاه ملفات بعينها من جانب القوى الكبرى.

 

إن مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي تحظى بمكانة دولية لسياستها العادلة في دعم الحق وتبني سياسة الانفتاح على كل دول العالم من منطلق ثابت ” السياسة المستقلة الحرة ” والتعامل مع كافة القضايا الدولية بمبدأ لا يحيد عن الحق ، ففي عهده برزت مصر على الساحة الدولية وأصبحت ركيزة وقوة إقليمية لها ثقلها ولها دورها الدولي الملموس .

 

تحظى العلاقات المصرية الكورية بالاحترام المتبادل بين القيادتين في مصر وكوريا وعمق علاقات الصداقة بين الشعبين ، فكوريا تحت قيادتها الحكيمة للرئيس كيم جونغ وون تحظى بمكانة دولية كبيرة وتشهد  نجاحا كبيرا في كافة القطاعات مما يعود بالخير على الشعب الكوري الصديق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى