تغيير تاريخي في الناتو.. دول أوروبية تتسلم قيادة مراكز عسكرية رئيسية بدل واشنطن


كشف تقرير بريطاني عن خطوة وُصفت بأنها تحول تاريخي داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بعدما سلّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤولية عدد من أهم مراكز القيادة العسكرية في الحلف إلى دول أوروبية، في إطار توجه يدفع القارة لتحمل دور أكبر في إدارة أمنها الدفاعي.

التحرك الجديد يعكس – بحسب مراقبين – إعادة صياغة للعلاقة التقليدية التي قادت فيها واشنطن الهيكل العملياتي للناتو لعقود، ويفتح الباب أمام مرحلة قد تتسم بزيادة الاعتماد الأوروبي على الذات.

توزيع جديد للقيادة

وبحسب ما أوردته صحيفة «التيليغراف» البريطانية نقلًا عن مسؤولين في الحلف، ستتولى بريطانيا قيادة «قيادة المحيط الأطلسي» في نورفولك بولاية فيرجينيا، فيما أُنيطت بإيطاليا مسؤولية الجناح الجنوبي انطلاقًا من قاعدتها في نابولي.

أما قيادة القوات المشتركة في برونسوم بهولندا، فستكون تحت إشراف ألمانيا وبولندا على أساس التناوب، في خطوة تمثل جزءًا من إعادة هيكلة أوسع داخل منظومة القيادة.

مسؤولية أوروبية أكبر

وأوضح مسؤول في الناتو – رفض الكشف عن هويته – أن الحلفاء اتفقوا على توزيع جديد لمسؤوليات كبار الضباط، بحيث يلعب الأوروبيون، بمن فيهم الأعضاء الجدد، دورًا أكثر بروزًا في القيادة العسكرية.

ووفقًا للتقرير، فإن هذا التغيير لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، لكنه يأتي في سياق دفع الدول الأوروبية لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع عن القارة.

ظل التهديدات السابقة

وكان ترامب قد لوّح في أوقات سابقة بإمكانية تقليص الدور الأمريكي داخل الناتو، وناقش فكرة سحب قوات من أوروبا للتركيز على تحديات أخرى، وعلى رأسها الصين. هذه التصريحات أثارت قلقًا واسعًا بشأن مدى استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها إذا تعرضوا لتهديد مباشر، خصوصًا من جانب روسيا.

أزمة غرينلاند

وزادت المخاوف الأوروبية مطلع العام الجاري بعد تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي والتابعة للدنمارك، العضو في الحلف. واعتُبر ذلك التطور من أخطر الأزمات التي مر بها الناتو منذ تأسيسه قبل نحو ثمانية عقود.

وعقب تلك الأزمة، سارعت عدة حكومات أوروبية إلى رفع ميزانياتها الدفاعية، في محاولة لإظهار قدرتها على الاعتماد على نفسها عسكريًا، وإقناع البيت الأبيض بجدية التزامها بالأمن الجماعي.

تحذيرات فرنسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي طالما دعا إلى استقلالية استراتيجية أوروبية، حذر في مقابلات إعلامية من احتمال تكرار «لحظة غرينلاند»، مشددًا على ضرورة ألا يقع الاتحاد الأوروبي في وهم الاطمئنان الدائم إلى المظلة الأمريكية.

وأشار ماكرون إلى أن القارة بحاجة إلى بناء قدراتها الذاتية، بغض النظر عن طبيعة العلاقة المستقبلية مع واشنطن.

أجواء ميونيخ

وقبيل انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن، تحدث خبراء عن دخول العلاقات عبر الأطلسي مرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من الضبابية. وذهب التقرير السنوي للمؤتمر إلى وصف ترامب بأنه يقود حقبة «سياسة مدمرة» للمؤسسات التقليدية، معتبرًا أنه يتبنى نهجًا يعيد تشكيل بنية الأمن الأوروبي.

دعوات للتسلح

في السياق نفسه، يستعد مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس لجولة في عدد من الدول الأوروبية للضغط باتجاه زيادة إنتاج الأسلحة بعيدة المدى. ويعد كوبيليوس من أبرز الداعين إلى إنشاء قوة عسكرية أوروبية قوامها 100 ألف جندي، بما يسمح بإعادة تصور منظومة الدفاع بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي.

مرحلة مفصلية

يرى محللون أن نقل مراكز القيادة إلى الأوروبيين يمثل نقطة تحول حقيقية في تاريخ الحلف، إذ يعكس تراجعًا نسبيًا في الاحتكار الأمريكي للقرار العملياتي، مقابل صعود دور أوروبي يسعى إلى إثبات قدرته على تحمل المسؤولية.

ومع استمرار التحديات الأمنية المحيطة بالقارة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الترتيب الجديد سيعزز تماسك الناتو، أم أنه يمهد لمرحلة أكثر تعقيدًا في العلاقة بين ضفتي الأطلسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى