تعثر ملاحقة ديمقراطيين بتهمة «التحريض على التمرد» يشعل جدلاً دستورياً في واشنطن
كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن محاولات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب لتحريك دعاوى جنائية ضد عدد من المشرعين الديمقراطيين على خلفية مقطع فيديو دعوا فيه منتسبي الجيش وأجهزة الاستخبارات إلى رفض الأوامر التي يرونها «غير قانونية»، في خطوة أثارت عاصفة سياسية وقانونية واسعة داخل الولايات المتحدة.
وبحسب المعلومات المتداولة، سعت الإدارة إلى توصيف الرسالة المصورة باعتبارها شكلاً من أشكال «التحريض على التمرد»، إلا أن المسار القضائي واجه عقبات مبكرة حالت دون المضي قدماً في توجيه اتهامات رسمية، ما أعاد فتح النقاش حول حدود حرية التعبير، ودور وزارة العدل، وإمكانية استخدامها في سياق المواجهات الحزبية.
شبكة «ABC News» نقلت عن مصادر مطلعة أن هيئة المحلفين لم ترَ أساساً قانونياً كافياً يسمح ببناء قضية جنائية ضد النواب. ويظهر في الفيديو ستة من أعضاء الحزب الديمقراطي، كان بعضهم قد أعلن مسبقاً رفضه التعاون مع التحقيقات التي تجريها وزارة العدل بشأن التسجيل ومضمونه.
وجرت محاولة تحريك الدعوى عبر مكتب الادعاء الفيدرالي في واشنطن الذي تتولاه جانين بيرو، المعيّنة من قبل ترامب. ووفق مصادر قريبة من الملف، تولى متابعة القضية مدّعون محسوبون على التعيينات السياسية، لا من الكوادر المهنية الدائمة، في نقطة اعتبرها منتقدون دليلاً إضافياً على الطابع الحزبي للتحرك. ولم تصدر الوزارة أو مكتب الادعاء تعليقات فورية عند طلب الإيضاح.
وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد سعى إلى مقابلة النواب الستة الذين شاركوا في الفيديو المنشور في نوفمبر/تشرين الثاني، وهم جيسون كرو، ماغي غودلاندر، كريس ديلوزيو، كريسي هولاهان، إلى جانب السيناتورين مارك كيلي وإليسا سلوتكين. وجميع هؤلاء لديهم خلفيات عسكرية أو عملوا في مؤسسات مرتبطة بالأمن القومي، وهو ما منح رسالتهم وزناً خاصاً في النقاش العام.
في مضمون الفيديو، شدد المشرعون على أن الإدارة تضع العاملين في المؤسستين العسكرية والاستخباراتية في وضع صعب أمام المجتمع، مؤكدين أن القانون الأمريكي يمنح الموظف العام والعسكري الحق، بل الواجب، في رفض الأوامر غير المشروعة. كما دعوا إلى التمسك بالدستور واحترام القسم الوظيفي.
من الناحية القانونية، يفرض نظام القضاء العسكري في الولايات المتحدة على العسكريين تنفيذ الأوامر القانونية فحسب، ويرتب مسؤولية على من يمتثل لأمر واضح المخالفة للقانون، وهي قاعدة طالما استند إليها فقهاء القانون في تفسير حدود الطاعة داخل المؤسسة العسكرية.
الرئيس ترامب كان قد هاجم المشاركين في الفيديو عبر منصته «تروث سوشال»، معتبراً أن ما ورد فيه يمثل سلوكاً تحريضياً خطيراً يمس الانضباط داخل القوات المسلحة. في المقابل، يرى مختصون في القانون الدستوري أن ملاحقة نواب بسبب خطاب سياسي تصطدم مباشرة بضمانات التعديل الأول من الدستور، الذي يحمي حرية التعبير حتى عندما تكون التصريحات حادة أو مثيرة للجدل.
كما يستند المدافعون عن المشرعين إلى ما يُعرف ببند «الخطاب أو المناقشة» في الدستور الأمريكي، الذي يوفر حماية لأعضاء الكونغرس عن الأفعال والتصريحات المرتبطة بعملهم التشريعي، في إطار الحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات ومنع استخدام الذراع التنفيذية للضغط على السلطة التشريعية.
وفي تطور موازٍ، من المنتظر أن ينظر قاضٍ فيدرالي قريباً في إجراءات اتخذها وزير الدفاع بيت هيغسيث بحق السيناتور مارك كيلي بسبب مشاركته في الفيديو. وتشمل تلك الإجراءات توجيه خطاب توبيخ رسمي، إلى جانب تحرك لخفض رتبته التقاعدية في البحرية، وهو ما يفتح جبهة قانونية إضافية تتعلق بحدود سلطة البنتاجون على المتقاعدين من العسكريين الذين يشغلون مناصب سياسية.
كيلي قال في بيان إن محاولة تجريمه على خلفية تصريحاته تمثل سابقة خطيرة، معتبراً أن تهديد المسؤولين المنتخبين بسبب آرائهم لا ينسجم مع تقاليد النظام الديمقراطي الأمريكي. أما إليسا سلوتكين فرأت أن تعثر مسار الاتهام ينبغي أن يضع حداً لما وصفته بتحقيق مدفوع باعتبارات سياسية أكثر من كونه قانونياً.
وتعكس القضية حجم الاستقطاب الذي يطبع المشهد السياسي في واشنطن، حيث باتت الخلافات بين الحزبين تمتد إلى المؤسسات القضائية والأمنية. وبينما يعتبر أنصار ترامب أن أي رسالة قد تُفهم على أنها تشجيع لرفض الأوامر تمثل خطراً على تماسك الدولة، يتمسك الديمقراطيون بأن التحذير من الأوامر غير القانونية واجب دستوري لا يمكن تجريمه.
في ظل هذا التباين، يبدو أن الحسم لن يكون سياسياً فحسب، بل قانونياً أيضاً، مع ترقب ما ستقرره المحاكم بشأن حدود حرية التعبير عندما تتقاطع مع قضايا الأمن القومي والانضباط العسكري، وهي معادلة لطالما شكلت أحد أكثر الملفات حساسية في التاريخ الأمريكي.