مقالات مقال رأي

الرفاعي عيد يكتب: لماذا نكره السياسة؟

6 أكتوبر 2026 15:30
“
وجهة نظر

من السهل أن نفهم لماذا أصبحت كلمة «السياسة» ثقيلة على أذن كثير من الناس، فهي ترتبط في أذهان البعض بالصراع، والوعود التي لا تتحقق، والمصالح المتشابكة، والمناقشات التي تبدأ باختلاف وتنتهي بخصومة،ومع الوقت، يتحول النفور من بعض الممارسات السياسية إلى نفور من السياسة نفسها، وكأن المجال كله لا يحمل سوى الضجيج والخداع.

لكن المشكلة هنا أن السياسة، في معناها الحقيقي، أوسع بكثير من الانتخابات والخطب والمؤتمرات والمناظرات الحادة،السياسة ببساطة هي الطريقة التي تُدار بها المصالح العامة، وتُحدد بها الأولويات، وتُوزع بها الموارد، وتُصنع من خلالها القرارات التي تمس حياة الناس كل يوم.

حين نتحدث عن التعليم، أو النقل، أو الأسعار، أو الضرائب، أو الإسكان، أو الخدمات العامة، فنحن لا نتحدث فقط عن ملفات إدارية، بل عن اختيارات عامة لها أثر سياسي مباشر على المجتمع.

ولهذا فإن الابتعاد عن السياسة لا يعني بالضرورة الابتعاد عن نتائجها.

قد يكون نفور البعض من السياسة مفهومًا إلى حد كبير، خصوصًا حين يتحول النقاش العام إلى صراخ واستقطاب متواصل،الإنسان بطبيعته يميل إلى تجنب المساحات التي يشعر فيها بالتوتر والخصومة، ولذلك قد يختار كثيرون الانسحاب من أي نقاش سياسي حتى لا يصبحوا جزءًا من صراع لا ينتهي.

لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين السياسة السيئة وبين السياسة نفسها.

فكما أننا لا نرفض الطب لأن طبيبًا أخطأ، ولا نرفض التعليم لأن معلمًا لم يؤد دوره جيدًا، لا ينبغي أن نحكم على المجال العام كله من خلال أسوأ نماذجه.

هناك أيضًا اعتقاد شائع بأن الاهتمام بالسياسة يعني بالضرورة الانخراط الحزبي أو المشاركة في الحملات أو التحول إلى ناشط دائم، وهذا غير صحيح،يمكن للمواطن أن يهتم بالشأن العام، ويتابع القرارات، ويسأل عن نتائجها، ويحاول فهم ما يجري حوله، من دون أن يكون عضوًا في حزب أو جزءًا من تنظيم سياسي.

الاهتمام بالشأن العام في حد ذاته ليس انتماءً سياسيًا، بل أحد أشكال الوعي بالمجتمع الذي نعيش فيه.

ومن أسباب كراهية السياسة أيضًا أن بعض الناس يتعاملون معها كأنها مباراة بين فريقين،يصبح الهدف هو الانتصار للفريق، وليس فهم القضية،عندها تتحول المعلومات إلى أدوات للدفاع عن الموقف، لا وسائل للوصول إلى الحقيقة.

وحين تصبح الهوية السياسية أهم من الوقائع، يفقد النقاش قيمته.

السياسة في جوهرها تحتاج إلى قدر كبير من التواضع، لأن القضايا العامة نادرًا ما تكون بسيطة أو ذات إجابة واحدة،القرار الواحد قد يحقق فائدة لفئة، وفي الوقت نفسه يفرض تكلفة على فئة أخرى،وقد يكون الحل المناسب اليوم غير مناسب بعد سنوات.

لهذا لا تكفي الشعارات وحدها لفهم القرارات العامة.

من المهم أيضًا أن نفرق بين الوصف والتقييم،وجود مشكلة لا يعني أن هناك تفسيرًا واحدًا لها، كما أن اختلاف الناس حول قضية ما لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يتعمد التضليل.

الوعي الحقيقي يبدأ عندما لا نكتفي بسؤال: ماذا حدث؟

بل نسأل أيضًا: لماذا حدث؟ ومن اتخذ القرار؟ وما البدائل التي كانت متاحة؟ ومن المستفيد؟ وما التكلفة؟ وما النتائج المتوقعة على المدى القريب والبعيد؟

هذه الأسئلة لا تجعل المواطن سياسيًا محترفًا، لكنها تجعله أكثر قدرة على تكوين رأيه بنفسه.

ربما لا نحتاج إلى أن نحب السياسة، لكننا بالتأكيد نحتاج إلى ألا نهرب من فهمها.

فالإنسان الذي يعرف كيف تُتخذ القرارات من حوله، وكيف تؤثر هذه القرارات في حياته، يكون أقل عرضة للشائعات والمبالغات، وأكثر قدرة على تقييم ما يسمعه ويراه.

وفي النهاية، السياسة ليست مسرحًا بعيدًا عن الناس، وليست شأنًا يخص السياسيين وحدهم،هي جزء من تنظيم حياتنا المشتركة، سواء أحببنا ذلك أم لا.

وكلما ابتعدت السياسة عن صراع الهويات واقتربت من مناقشة المصالح والنتائج، أصبحت أقل إثارة للكراهية وأكثر قابلية للفهم.

السياسة لا تصبح أكثر نضجًا بكثرة الشعارات، بل بقدرتنا على مناقشة الوقائع دون تحويل كل اختلاف إلى خصومة،وكلما اتسعت مساحة المعلومات والمساءلة والاحترام، أصبح المواطن أقدر على تكوين رأيه بنفسه، وأقل احتياجًا لمن يفكر نيابة عنه.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.