25 يناير.. بين بطولات الشرطة وثورة الشعب: ذاكرة مصرية متعددة الأبعاد | تقرير

في الخامس والعشرين من يناير من كل عام، يعود هذا التاريخ إلى صدارة المشهد العام في مصر، ليس باعتباره مناسبة عابرة، بل كأحد أكثر الأيام إثارة للجدل في الذاكرة الوطنية، حيث تتقاطع عنده روايات متعددة، ويتجدد السؤال الذي لم يُحسم منذ أكثر من خمسة عشر عامًا:
هل 25 يناير «عيد للشرطة» فقط، أم «ثورة شعبية» غيّرت مسار الحكم، أم تاريخ مركّب يحمل المعنيين معًا دون تعارض؟
هذا الجدل، الذي يتجاوز كونه نقاشًا لغويًا أو توصيفيًا، يعكس صراعًا أعمق حول قراءة الماضي، وحدود توظيفه سياسيًا، وتأثيره المباشر في الحاضر والمستقبل.
تصريحات تعيد فتح الجدل
ومع اقتراب الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير 2011، عاد الخلاف إلى الواجهة بقوة عقب تصريحات عضو مجلس الشيوخ ناجي الشهابي، الذي أكد خلال جلسة رسمية أن حزبه «لا يعترف بـ25 يناير إلا باعتباره عيدًا للشرطة المصرية»، ما فجّر موجة واسعة من التفاعلات السياسية والإعلامية، وأعاد فتح ملف ظل مفتوحًا منذ سقوط نظام الرئيس الراحل حسني مبارك.
الدستور يحسم.. والسياسة تختلف
دستوريًا، نصّ دستور 2014 في ديباجته على الاعتراف بثورة 25 يناير 2011، إلى جانب ثورة 30 يونيو 2013، واعتبرهما «فريدتين بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية».
ويؤكد فقهاء دستوريون، من بينهم الدكتور عبد الله المغازي، أن ديباجة الدستور جزء لا يتجزأ من نصوصه، وتتمتع بالقوة الإلزامية نفسها، ما يجعل الاعتراف بثورة يناير مستقرًا قانونيًا، حتى وإن ظل محل خلاف سياسي وإعلامي.
الجذور التاريخية لعيد الشرطة
تاريخيًا، يعود اعتماد 25 يناير عيدًا للشرطة إلى عام 1952، حين واجهت قوات الشرطة في الإسماعيلية قوات الاحتلال البريطاني، في معركة غير متكافئة أسفرت عن استشهاد العشرات، لتتحول الواقعة إلى رمز وطني للتضحية والفداء.
ومنذ عام 2011، بات هذا اليوم يحمل دلالتين متداخلتين: بطولة الشرطة في مواجهة الاحتلال، واندلاع احتجاجات شعبية واسعة طالبت بالحرية والعدالة الاجتماعية، وانتهت بإسقاط نظام حكم استمر ثلاثين عامًا.
انقسام في الذاكرة الوطنية
يرى مؤيدو ثورة يناير أن هذا اليوم يمثل نقطة تحول فارقة في التاريخ المصري الحديث، وأن إنكار بعده الثوري يُعد تجاهلًا لتضحيات ملايين المصريين.
في المقابل، يعتبر معارضوها أن يناير كانت بداية مرحلة من الاضطراب السياسي والانفلات الأمني، ومقدمة لصعود جماعات الإسلام السياسي، وأن ما تلاها كان «تصحيحًا لمسار خاطئ».
دعوات لقراءة متعددة الأبعاد
في هذا السياق، يؤكد المحامي والحقوقي خالد علي أن 25 يناير من الأيام التي لا يجوز حبسها في معنى واحد، مشددًا على أن القراءة الأحادية تمثل ظلمًا للتاريخ وإفقارًا لدلالاته، سواء باختزاله في «عيد الشرطة فقط» أو «ثورة فقط».
من جانبه، يرى طارق العوضي، عضو لجنة العفو الرئاسي، أن يناير لم تكن نصرًا كاملًا ولا عبثًا مطلقًا، بل «درسًا تاريخيًا باهظ الثمن»، نجحت ككاشف عميق لاختلالات المجتمع والدولة، محذرًا من تجاهل دروسها أو التعامل معها كصفحة طُويت.
تاريخ عصيّ على الاختزال
وبين معسكر التمجيد ومعسكر الشيطنة، يظل 25 يناير تاريخًا عصيًا على التبسيط، يعكس صراع السرديات داخل المجتمع المصري، ويؤكد أن الذاكرة الوطنية لا تُدار بقرار سياسي، ولا تُختزل في رواية واحدة، بل تحتاج إلى قراءة واعية تعترف بتعقيد الحدث وتعدّد أبعاده.
