«المعركة الصامتة».. كيف كسرت أوكرانيا التفوق الجوي الروسي بحرب المسيرات؟

مع اقتراب الحرب الروسية الأوكرانية من إتمام عامها الرابع، برزت الجبهة الجوية باعتبارها الساحة الأكثر خطورة وتعقيدًا، بعدما تحولت الطائرات المسيّرة إلى ما يشبه «حربًا موازية» أعادت تشكيل موازين القوى، وكشفت عن فجوة تكنولوجية متنامية بين موسكو وكييف.
ولم تعد المسيّرات مجرد أدوات إسناد ميداني، بل أصبحت المحرك الرئيسي لاستنزاف القدرات التقليدية للطرفين، من خلال ضربات دقيقة وقدرة عالية على الإغراق الجوي، ما جعل «حرب الدرونز» العامل الأبرز في كسر التفوق الجوي الروسي.
وشهدت أوكرانيا طفرة غير مسبوقة في إنتاج الطائرات المسيّرة، إذ ارتفع عدد الوحدات المنتجة من 2.2 مليون طائرة في عام 2024 إلى 4.5 مليون خلال 2025، وفق بيانات موقع UnHerd، في مؤشر واضح على تبني كييف استراتيجية الإنتاج اللامركزي واسع النطاق.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الطائرات المسيّرة الأوكرانية تسببت في إصابة نحو 35 ألف جندي روسي خلال ديسمبر 2025 فقط، بينما أكد قائد قوات الأنظمة غير المأهولة روبرت ماديار بروفدي مسؤولية وحداته عن نحو 13 ألف إصابة.
وتعتمد أوكرانيا في ثورتها الجوية على دمج الذكاء الاصطناعي وأنظمة البيانات الضخمة، من خلال نظام «Delta» الذي يوفر تدفقات يومية من الصور والفيديوهات والبيانات لتحسين قدرات الاستهداف واتخاذ القرار شبه المستقل. كما استخدمت كييف تقنية «السرب» في أكثر من 100 عملية، مع اختبار أسراب تضم حتى 25 طائرة مسيّرة.
في المقابل، واصلت روسيا تطوير قدراتها الجوية، معتمدة على طائرات «مولنيا» متوسطة المدى، ومسيّرات انتحارية منخفضة التكلفة، إلى جانب تشكيل وحدة «روبيكون» النخبوية المتخصصة في اعتراض مسيّرات FPV واستهداف مشغليها خلف الخطوط.
ويرى خبراء عسكريون أن الحرب كشفت تحولًا جذريًا في طبيعة الصراع الجوي، حيث لم يعد التفوق مرهونًا بحجم الترسانة أو كلفة المنصات، بل بسرعة الابتكار، ومرونة الإنتاج، والقدرة على استنزاف الخصم اقتصاديًا وعسكريًا.
ويؤكد الدكتور سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الإستراتيجية، أن ما يجري يمثل «ثورة جوية أوكرانية» أعادت تعريف مفاهيم السيطرة الجوية، وأظهرت هشاشة المنظومات التقليدية أمام تكنولوجيا منخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير.
من جانبه، يرى العميد نضال زهوي، الخبير العسكري، أن المسيرات الأوكرانية فرضت معضلة حقيقية على أنظمة الدفاع الجوي، ليس فقط في روسيا، بل لدى الجيوش الكبرى، محذرًا من أن تجاهل هذا التحول قد يقود إلى استنزاف طويل الأمد حتى للقوى ذات التفوق التقليدي.
