يؤدي النقص في صواريخ “باتريوت” الاعتراضية إلى زيادة الضغوط في أوروبا للحصول على أنظمة إضافية للدفاع الجوي والصاروخي. وبحسب معلومات من دوائر أمنية إسرائيلية، يتركز الاهتمام بشكل متزايد على نظام “باراك 8” من شركة “صناعات الفضاء الإسرائيلية”. ويغطي هذا النظام، الذي طُوِّر بالتعاون مع الهند، نطاقات تتراوح بين 35 و150 كيلومتراً تقريباً، اعتماداً على الطراز المستخدم.
وتسعى الدول الأوروبية بشكل مكثف لإيجاد حلول إضافية للدفاع الجوي الأرضي؛ ويعود أحد الأسباب الرئيسية لذلك إلى محدودية توافر صواريخ “باتريوت” الاعتراضية الأمريكية.
وتصف الدوائر الأمنية وضع الإمدادات حالياً بأنه بالغ الحرج؛ إذ أدى الطلب الدولي المرتفع، والنزاعات الإقليمية المستمرة، والضغط الكبير على المخزونات العالمية، إلى توفر أعداد محدودة فقط على المدى القصير.
ورغم أن ألمانيا تعمل على بناء قدرات إنتاجية جديدة لصواريخ “باتريوت”، إلا أن ذلك لن يؤدي إلى حل الاختناقات الحالية بشكل فوري. ونتيجة لذلك، تواجه الدول الأوروبية تساؤلات متزايدة حول كيفية تعزيز هياكل الدفاع الجوي القائمة، وتقليل الاعتماد على أنظمة بعينها. مستويات متعددة بدلاً من نظام واحد
لا يعني هذا بالضرورة استبدال نظام “باتريوت” (Patriot) بالكامل بنظام آخر؛ بل يظهر في أوروبا توجهٌ نحو بناء هياكل دفاع جوي أكثر تعدديةً وتدرجاً في المستويات.
وتهدف هذه الهيكلية إلى استخدام أنظمة متنوعة تغطي نطاقات مختلفة من حيث الارتفاع والمدى. وفي الوقت ذاته، يتسع نطاق الأهداف المحتملة؛ فإلى جانب الطائرات المقاتلة والمروحيات، بات لزاماً على أنظمة الدفاع الجوي الحديثة اليوم التعامل مع صواريخ كروز، والطائرات المسيرة (الدرونز)، والقنابل الانزلاقية، والصواريخ الباليستية.
وقد اتخذت ألمانيا بالفعل خطوة مهمة في هذا المسار من خلال التعاقد على شراء نظام “آرو-3” (Arrow-3) الإسرائيلي، في صفقة بلغت قيمتها مليارات اليورو. صُمم نظام “آرو-3” لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، مما يجعله يمثل المستوى الأعلى في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الألمانية.
ومع ذلك، تبرز الحاجة إلى أنظمة أخرى تعمل على مستويات أدنى، قادرة على التعامل مع الأهداف الموجودة على مسافات متوسطة وبعيدة.
التركيز على نظام “باراك-8” (Barak 8)
وفقاً لمعلومات من دوائر أمنية إسرائيلية، يتجه الاهتمام الأوروبي بشكل متزايد نحو نظام “باراك-8” (Barak 8) الذي تنتجه شركة “صناعات الفضاء الإسرائيلية” (IAI).
وقد طُوِّر هذا النظام بالتعاون بين شركة “صناعات الفضاء الإسرائيلية” ومنظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية. وهو نظام دفاع جوي يمكن تشغيله من منصات أرضية أو بحرية، ويصلح للتصدي لمجموعة متنوعة من الأهداف الجوية.
ووفقاً للشركة المصنعة، فإن نظام “باراك-8” قادر على اعتراض أهداف تشمل الطائرات المقاتلة، والمروحيات القتالية، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيرة، والقنابل الانزلاقية، والصواريخ الباليستية التكتيكية.
وهذا التنوع في القدرات هو ما يجعل النظام جذاباً للدول الأوروبية التي تحتاج إلى تصميم دفاعاتها الجوية ليس فقط لمواجهة الأهداف التقليدية، بل للتعامل مع طيفٍ متزايد التنوع والتعقيد من التهديدات.
ثلاث فئات من حيث المدى
يتوفر نظام “باراك-8” في عدة إصدارات. وفقاً للشركة المصنعة، يصل مدى نسخة “MR-SAM” (المخصصة للمدى المتوسط) إلى ما يتراوح بين 35 و70 كيلومتراً تقريباً، بينما تغطي نسخة “LR-SAM” -أو النسخة البحرية- مسافات تتراوح بين 70 و100 كيلومتر تقريباً.
كما يتوفر طراز “Barak ER” ذو المدى الموسع، والذي صُمم ليكون قادراً على التعامل مع أهداف على مسافات تصل إلى 150 كيلومتراً، وعلى ارتفاعات تصل إلى نحو 30 كيلومتراً.
ويبلغ وزن الصاروخ الاعتراضي في هذا الطراز حوالي 275 كيلوغراماً، منها نحو 60 كيلوغراماً تمثل رأساً حربياً شديد الانفجار ومجزأً (شظايا). وبفضل ذلك، تستطيع عائلة صواريخ “Barak” تغطية نطاقات مدايات متنوعة ضمن منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات.
نظام “باتريوت” يظل عنصراً جوهرياً
ومع ذلك، فإن الاهتمام المتزايد بنظام “Barak 8” لا يعني أن الدول الأوروبية تعتزم التخلي عن نظام “باتريوت” (Patriot)؛ إذ يظل “باتريوت” نظاماً محورياً للدفاع الجوي والصاروخي لدى العديد من دول حلف الناتو. وتكمن المشكلة حالياً، وبشكل رئيسي، في محدودية توفر صواريخ اعتراضية إضافية.
ولهذا السبب تحديداً، تكتسب الأنظمة التكميلية أهمية متزايدة؛ فكلما كانت بنية الدفاع الجوي أكثر تنوعاً وشمولاً، زادت القدرة على التعامل مع الأهداف بشكل أكثر دقة, حيث يتم استخدام صواريخ اعتراضية متنوعة لمواجهة تهديدات مختلفة.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة التكلفة ومدى التوفر أهمية متزايدة؛ فالصواريخ الاعتراضية عالية الجودة باهظة الثمن ولا تتوفر إلا بأعداد محدودة. وفي الوقت ذاته، يتزايد عدد الأهداف المحتملة، لا سيما بسبب الاستخدام المكثف للأنظمة غير المأهولة (الطائرات المسيرة) وغيرها من المقذوفات منخفضة التكلفة نسبياً.
ضغوط على المخزونات الأوروبية
لقد أظهرت الصراعات الأخيرة مدى السرعة التي يمكن أن تنفد بها مخزونات صواريخ الدفاع الجوي القائمة عند تعرضها لضغوط تشغيلية مكثفة.
ويخلق هذا تحدياً مزدوجاً لأوروبا؛ فمن ناحية، يتعين تجديد المخزونات الحالية، ومن ناحية أخرى، تتزايد الحاجة إلى أنظمة إضافية لمواجهة سيناريوهات تهديد جديدة.
ورغم أن تطوير قدرات إنتاجية جديدة قد يسهم في تخفيف حدة هذا الوضع على المدى الطويل، إلا أن الإمدادات ستظل تواجه ضغوطاً على المدى القصير.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبحت القدرة الصناعية على إنتاج أعداد كافية من الوحدات لا تقل أهمية عن الكفاءة التقنية البحتة لأي نظام.
تزايد أهمية الأنظمة الإسرائيلية
لقد اختارت ألمانيا بالفعل نظام “آرو 3” (Arrow 3) الإسرائيلي ليكون جزءاً من الطبقة العليا لمنظومتها للدفاع الصاروخي. كما قد يحظى نظام “باراك 8” (Barak 8) باهتمام أكبر في مجالات أخرى ضمن منظومة الدفاع الجوي الأوروبية.
ووفقاً لمعلومات إسرائيلية، فإن هذا النظام يحظى حالياً باهتمام ومتابعة من قبل عدة دول أوروبية، وإن لم يُعلن بعد عن قرارات محددة بشأن الشراء أو بدء مفاوضات تعاقدية.
وبالنسبة للعملاء المحتملين، ستكون المسألة الحاسمة هي مدى إمكانية دمج نظام “باراك 8” في الهياكل الوطنية القائمة أو هياكل حلف الناتو، وأي نسخة من النظام هي الأكثر ملاءمة لطبيعة التهديدات التي تواجه كل دولة على حدة.
إذ توفر نسخ النظام -مثل MR-SAM وLR-SAM وER- مدىً عملياتياً متنوعاً، مما يتيح لها تولي مهام مختلفة وفقاً لذلك.
الدفاع الجوي متعدد الطبقات كمعيار جديد
تشير التطورات الراهنة إلى أن الدول الأوروبية بدأت تنظر بشكل متزايد إلى منظومات الدفاع الجوي لديها كـ “نظام متكامل” وشامل. بدلاً من الاعتماد على نظام دفاع جوي واحد، تبرز الحاجة إلى طبقات متعددة تتكامل فيما بينها لتغطية أوسع نطاق ممكن من التهديدات.
وفي هذا السياق، يمكن لنظام “آرو 3” (Arrow 3) أن يشكل الطبقة العليا المخصصة للتصدي للصواريخ الباليستية بعيدة المدى، بينما تتولى أنظمة أخرى -مثل “باتريوت” (Patriot) أو “باراك 8” (Barak 8)- التعامل مع أنواع أخرى من الأهداف ضمن طبقات أدنى.
ويؤدي النقص الحالي في الصواريخ الاعتراضية الخاصة بنظام “باتريوت” إلى تسريع هذا التوجه.
ووفقاً لمعلومات من دوائر أمنية إسرائيلية، فمن المتوقع أن يتزايد الاهتمام بنظام “باراك 8” بشكل أكبر. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كان هذا الاهتمام سيترجم إلى برامج شراء فعلية من قبل الدول الأوروبية. لكن المؤكد هو أن السعي للحصول على أنظمة دفاع جوي إضافية يكتسب أهمية متزايدة، في ظل محدودية المخزونات وتنامي التهديدات.