تواجه إسرائيل اتهامات بمحاولة التأثير في الرأي العام بشأن الحرب على قطاع غزة، بعد الترويج لفيلم وثائقي بعنوان «نازا: القصة الحقيقية»، يحاكي أسلوب فيلم «نازا» الذي أثار جدلًا واسعًا بسبب ما كشفه عن استخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية، وما يترتب على ذلك من مخاطر سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، يتبنى الفيلم المنافس أسلوبًا بصريًا مشابهًا للعمل الأصلي، بما في ذلك إجراء مقابلات مع مصادر مجهلة وتصويرها ليلًا، لكنه يقدم رواية مغايرة تدافع عن الجيش الإسرائيلي وترد على الانتقادات الموجهة إليه.
محاولة لتغيير الرواية
استند فيلم «نازا»، الذي أخرجه يوڤال أبراهام وراشيل شور، إلى مقابلات مع 24 شخصًا من داخل المؤسستين العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، وسلط الضوء على استخدام أنظمة مراقبة جماعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال الهجمات العسكرية على قطاع غزة.
وأثار ما عرضه الفيلم تساؤلات بشأن آليات اختيار الأهداف العسكرية ومدى مراعاة مخاطر سقوط ضحايا مدنيين أثناء تنفيذ الضربات.
في المقابل، يقدم الفيلم المنافس رواية تدافع عن أداء الجيش الإسرائيلي، وتصفه بأنه «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، في محاولة لمواجهة الاستنتاجات التي توصل إليها العمل الأصلي. وروجت السفارات الإسرائيلية للفيلم الذي يحمل عنوان «نازا: القصة الحقيقية».
اتهامات بتضليل الجمهور بشأن هوية الفيلم
أشار تقرير «الجارديان» إلى ما وصفه بمحاولة إرباك الجمهور بشأن هوية الفيلم المنافس وصلته بالعمل الأصلي، موضحًا أن الموقع الإلكتروني الذي استضاف الفيلم قدم نفسه في البداية بطريقة توحي بارتباطه بالفيلم الأصلي، ونسب إخراجه إلى أبراهام وشور، قبل تعديل محتواه لاحقًا.
كما أثار عدد المشاهدات المعلن تساؤلات بشأن دقته؛ إذ عرض الموقع أكثر من 42 مليون مشاهدة، بينما سجلت صفحة الفيلم الأصلي على منصة يوتيوب نحو 30 ألف مشاهدة فقط.
ونقل التقرير عن تحليل تقني احتمال احتساب عداد الموقع طلبات الوصول إليه، بما فيها الطلبات الآلية، بدلًا من الاقتصار على المشاهدات الفعلية للفيديو.
ووصف أرييل أفيربوخ، المحامي الإسرائيلي وضابط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي والمنتج للفيلم المنافس، العمل بأنه «خطوة هجومية» تهدف إلى تحويل أنظار العالم عن مزاعم ارتكاب إبادة جماعية بحق المدنيين.
دعم إسرائيلي وانتقادات للفيلم الأصلي
وبحسب الصحيفة، أبدى مسؤولون إسرائيليون دعمهم للفيلم المنافس، فيما أوضحت السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة أن وزارة الخارجية لم تشارك في إنتاجه، مشيرة إلى أن دور السفارة اقتصر على نشر رسالة صانعيه وإتاحة المجال أمام طرح رواية تعارض ما وصفته بـ«اتهامات كاذبة».
في المقابل، واجه صانعا الفيلم الأصلي انتقادات وضغوطًا سياسية، شملت دعوات إلى سحب الجنسية الإسرائيلية منهما واتهامات بالخيانة، إلى جانب تهديدات وتجمع متظاهرين خارج منزلي المخرجين في الأراضي المحتلة، مطالبين بإنزال عقوبة الإعدام بهما، فضلًا عن ظهور جدارية تصورهما عبر منظار بندقية.
كما أعلن الناشط الإسرائيلي اليميني المتطرف مردخاي دافيد جمع تبرعات لتأسيس فريق «يطارد» مخرجي الفيلم، وقال في مقطع فيديو نشره على إنستجرام: «سنجدهم».
معركة على الرواية الإعلامية
تتجاوز القضية المنافسة بين عملين وثائقيين، لتطرح تساؤلات بشأن توظيف الإنتاج الإعلامي في الصراع على الرواية المتعلقة بالحرب في غزة، وحدود استخدام المحاكاة والترويج الرقمي للتأثير في الجمهور.
وذكر التقرير أن الموقع الإلكتروني الذي يعرض الفيلم المدافع عن الرواية الإسرائيلية حمل اسم «nazadocumentary.com»، بما قد يوحي بارتباطه بالفيلم الأصلي. ودُشن الموقع في 16 سبتمبر، بعد ستة أيام من العرض الأول لفيلم «نازا» في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، عقب حصوله على تصفيق استمر فترة طويلة.
وأعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها ستمنح صانعي الفيلم المنافس شهادة تقدير تقديرًا لما وصفته بـ«مساهمتهم في الدبلوماسية العامة الإسرائيلية»، مستندة إلى ما أعلنته بشأن تحقيق العمل عشرات الملايين من المشاهدات.
وقال متحدث باسم صحيفة «الجارديان»، المشاركة في إنتاج فيلم «نازا»، إن الصحيفة على علم بترويج الحكومة الإسرائيلية لفيلم منشور على موقع إلكتروني، واصفًا ذلك بأنه محاولة لتضليل الجمهور وصرف الانتباه عن الأسئلة التي طرحها العمل الأصلي.
ماذا يعرض الفيلم الإسرائيلي؟
يضم الموقع فيلمًا مدته نحو 49 دقيقة، متاحًا بلغات متعددة، ويعتمد على مقابلات مع قادة عسكريين وضباط استخبارات وجنود إسرائيليين يتناولون إدارة الحرب في غزة من وجهة نظرهم.
ويتطرق الفيلم إلى مزاعم بشأن وجود أنفاق أسفل مبانٍ سكنية، وإلى كيفية التمييز بين المقاتلين والمدنيين، والأنفاق داخل المباني، وآليات الموافقة على الغارات الجوية، في سياق تقديم مبررات للعمليات العسكرية الإسرائيلية والقصف الذي طال مناطق سكنية.
من يقف وراء الموقع؟
بحسب صفحة التعريف المنشورة على الموقع، أُنتج الفيلم بواسطة ثلاثة إسرائيليين هم روي دانينو، وأريئيل أفيربوخ، وحغاي جوتمن.
ويعرّف الموقع دانينو بأنه رجل أعمال وضابط احتياط برتبة مقدم، وأفيربوخ بأنه محامٍ وضابط احتياط برتبة رائد، وجوتمن بأنه صانع محتوى ومخرج ومحرر، مشيرًا إلى أن العمل أُنجز بالتعاون مع عسكريين إسرائيليين شاركوا في العمليات التي يتناولها.