مقالات مقال رأي

عيد أحمد عيد يكتب: القانون لا يعرف النوايا

5 أكتوبر 2026 03:59
“
وجهة نظر

كثير من الناس يعتقدون أن حسن النية وحده يكفي لحمايتهم، وأن ما دام الإنسان لم يقصد الضرر فلن يتحمل نتيجة ما فعله. هذه الفكرة تبدو مريحة نفسيًا، لكنها في الواقع قد تكون شديدة الخطورة. القانون في كثير من المواقف لا يتوقف فقط أمام ما كنت تنويه في داخلك، بل ينظر كذلك إلى ما فعلته، وما وقّعت عليه، وما التزمت به، وما ترتب على تصرفك من آثار.

النية مهمة بلا شك في بعض المسائل، لكنها ليست كلمة سحرية تمحو كل مسؤولية. قد يقول شخص إنه لم يقصد أن يضر شريكه، لكنه وقّع على مستندات دون مراجعة. وقد يقول آخر إنه لم يكن يعرف أن تصرفًا معينًا سيترتب عليه التزام، لكن جهله بالتفاصيل لا يمنع ظهور النتائج. الفرق كبير بين أن تكون حسن النية، وبين أن تكون دقيقًا في تصرفاتك.

نحن نعيش أحيانًا بثقافة تعتمد على الثقة الشفوية أكثر من الوثيقة. نقول: هو يعرفني، أو نحن بيننا عشرة، أو لن يختلف الأمر. لكن العلاقات تتغير، والظروف تتبدل، وما كان مفهومًا شفهيًا قد يصبح محل نزاع لاحقًا. عندها لا يكون السؤال فقط: ماذا كنت تقصد؟ بل ماذا يوجد أمامنا من أوراق ورسائل وإثباتات؟

لهذا يجب أن نتعلم أن نفصل بين الأخلاق والقانون. الأخلاق تسأل عن النية والضمير، أما القانون فيبحث كذلك عن الوقائع والالتزامات والأدلة. قد تكون صادقًا تمامًا، ومع ذلك تضع نفسك في موقف صعب لأنك لم تحسن التوثيق أو لم تفهم ما وافقت عليه.

المشكلة ليست أن الناس سيئون، بل أن الذاكرة البشرية انتقائية، والمصالح تتغير، والخلاف يجعل كل طرف يرى القصة من زاويته. لذلك فإن الكتابة الواضحة ليست انعدام ثقة، بل حماية للطرفين.

حتى في أبسط المعاملات، من الحكمة أن تعرف ما الذي تلتزم به قبل الموافقة، وأن تحتفظ بما يثبت ما تم الاتفاق عليه، وأن تسأل عندما تكون هناك عبارة غير واضحة. لا تخجل من السؤال لأن السؤال قبل الالتزام أقل تكلفة بكثير من محاولة تفسير ما حدث بعده.

القانون لا يعيش داخل القلوب، بل يتعامل مع الوقائع التي يمكن عرضها وفهمها وإثباتها. وحسن النية قيمة عظيمة، لكنها تحتاج دائمًا إلى وعي ودقة وتوثيق. لأن ما تقصده أنت قد لا يكون هو ما يستطيع الآخرون إثباته غدًا.

ومن زاوية عملية، فإن الوعي بهذه الفكرة لا يحتاج إلى حفظ نصوص قانونية معقدة، بل إلى تغيير طريقة التعامل اليومية. توقف قبل القرار، اسأل قبل الالتزام، واحتفظ بما يثبت ما تم. هذه الخطوات البسيطة لا تمنع كل خلاف، لكنها تقلل احتمالاته وتمنحك موقفًا أوضح إذا وقع. كذلك فإن الرجوع إلى متخصص عند وجود أمر مالي أو تعاقدي مهم ليس مبالغة، بل جزء من إدارة المخاطر. القانون لا يطلب من المواطن أن يكون خبيرًا، لكنه يفترض منه قدرًا معقولًا من الانتباه إلى ما يوافق عليه وما يتركه بلا توثيق.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.