الترسانة النووية الروسية.. سلاح الردع وحدود الاستخدام في حرب أوكرانيا

27 سبتمبر 2026 13:52

يظل احتمال لجوء روسيا إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي في أوكرانيا من أكثر السيناريوهات إثارة للقلق منذ اندلاع الحرب، إلا أن هذا الاحتمال يرتبط إلى جانب البعد العسكري باستراتيجية الردع والإشارات النووية التي تستخدمها موسكو في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

وحدّثت روسيا عقيدتها النووية بما يوسع الحالات التي يمكن فيها اللجوء إلى السلاح النووي، بما في ذلك بعض سيناريوهات التعرض لعدوان تقليدي ترى موسكو أنه يمثل تهديدًا خطيرًا لسيادتها أو سلامتها الإقليمية. كما أجرت القوات الروسية تدريبات ومناورات تضمنت محاكاة لاستخدام الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، في رسائل تستهدف بصورة أساسية الدول الغربية للتأكيد على مخاطر تجاوز ما تعتبره موسكو خطوطًا حمراء.

وتندرج هذه التحركات ضمن ما يعرف بـ«الإشارات النووية»، التي لا تعني بالضرورة وجود قرار باستخدام السلاح، إذ يمكن أن تهدف التدريبات والتحركات العسكرية إلى التأثير في حسابات الخصوم وإظهار القدرة على التصعيد في حال اعتبرت روسيا أن مصالحها الحيوية أصبحت مهددة.

وفي المقابل، ظل احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي حاضرًا في تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية، خاصة في حال تعرض القوات الروسية لانتكاسة عسكرية كبيرة أو ظهور ظروف تعتبرها القيادة الروسية تهديدًا وجوديًا. لكن الخطاب النووي الروسي لم يترافق، وفق التقييمات الغربية المعلنة، مع مؤشرات واضحة على الانتقال إلى مرحلة تنفيذية تمهد لاستخدام السلاح النووي، مثل نقل الرؤوس الحربية من مواقع التخزين المركزية إلى وحدات الإطلاق.

وتواجه موسكو كذلك قيودًا سياسية واستراتيجية، من بينها موقف الصين، التي أكدت في مناسبات عدة رفضها استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها في سياق الحرب الأوكرانية. ومن شأن أي استخدام فعلي للسلاح النووي أن يضع روسيا أمام تداعيات دولية واسعة، وقد يدفع شركاءها إلى إعادة تقييم مستوى دعمهم لها.

وفي الجانب الآخر، وجهت الولايات المتحدة تحذيرات إلى موسكو من استخدام السلاح النووي في أوكرانيا، مع الإشارة إلى إمكانية الرد بوسائل تقليدية، بما يعكس سعي واشنطن إلى فرض تكلفة عسكرية على روسيا مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة نووية مباشرة.

ولا تقتصر مخاطر السلاح النووي التكتيكي على القوة التفجيرية المباشرة، إذ يمكن أن يؤدي استخدامه إلى انتشار مواد مشعة لمسافات بعيدة وفق موقع الانفجار والظروف الجوية واتجاه الرياح. وقد تمتد التأثيرات الإشعاعية إلى مناطق داخل روسيا أو دول مجاورة، ما يجعل تداعيات أي استخدام نووي في ساحة المعركة صعبة التحكم.

ترسانة ضخمة وثالوث نووي

تمتلك روسيا واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم. ووفق تقديرات اتحاد العلماء الأمريكيين لعام 2026، يبلغ إجمالي مخزونها نحو 5420 رأسًا نوويًا، منها نحو 4400 رأس ضمن المخزون العسكري المخصص للقوات، فيما يوجد نحو 1020 رأسًا متقاعدًا بانتظار التفكيك.

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 1796 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منشورة مع القوات العملياتية، مقابل نحو 2604 رؤوس غير منشورة في الاحتياط أو التخزين.

وتعتمد القوة النووية الروسية على ثالوث يجمع بين الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الاستراتيجية، بما يوفر لموسكو قدرات نووية من البر والبحر والجو ويعزز قدرة الترسانة على البقاء في حال تعرض البلاد لهجوم واسع.

وعلى المستوى البري، تشغل روسيا مجموعة من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، من بينها عائلة «يارس»، بينما تعمل على إدخال صاروخ «سارمات» الثقيل إلى الخدمة. إلا أن برنامج «سارمات» واجه تأخيرات ومشكلات اختبارية، وأشار معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في تقييمه لعام 2026 إلى فشل اختبار آخر للصاروخ خلال 2025.

وفي البحر، تمثل الغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية، خاصة غواصات «بوريه»، أحد أبرز عناصر الردع الروسي، وتحمل صواريخ «بولافا» الباليستية التي تطلق من الغواصات، ما يوفر قدرة على إبقاء جزء من القوة النووية بعيدًا عن القواعد البرية.

أما المكون الجوي فيعتمد بصورة أساسية على القاذفات الاستراتيجية «تو-95 إم إس» و«تو-160»، القادرة على حمل صواريخ جوالة نووية بعيدة المدى، مع استمرار روسيا في تحديث أسطولها وإنتاج نسخ مطورة من «تو-160 إم».

مخزون كبير من الأسلحة التكتيكية

لا تقتصر الترسانة الروسية على الأسلحة الاستراتيجية، إذ تمتلك موسكو أيضًا مخزونًا كبيرًا من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية. ويقدر اتحاد العلماء الأمريكيين عدد هذه الرؤوس بنحو 1794 رأسًا، مع الإشارة إلى أن جميعها تقريبًا توجد في التخزين المركزي وفق التقديرات المفتوحة، وليست منشورة بصورة دائمة على منصات إطلاق.

وتشمل القدرات المرتبطة بالأسلحة النووية غير الاستراتيجية صواريخ وأنظمة مزدوجة الاستخدام يمكن تجهيزها برؤوس تقليدية أو نووية، إلى جانب صواريخ جوالة وباليستية وطائرات قادرة على حمل أسلحة نووية، ومن أبرز الأنظمة التي تحظى بالاهتمام في هذا السياق «كينجال» و«إسكندر».

وتواصل روسيا تطوير أنظمة جديدة ذات طابع استراتيجي، من بينها «أوريشنيك» والصاروخ الجوال ذي الدفع النووي «بوريفيستنيك». وذكر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في تقييمه لعام 2026 أن روسيا أعلنت خلال 2025 نجاح اختبار طيران لـ«بوريفيستنيك» لمسافة تجاوزت 14 ألف كيلومتر، بعد سلسلة اختبارات سابقة واجهت مشكلات.

وتشير هذه المنظومة إلى أن القوة النووية الروسية لا تعتمد على عدد الرؤوس الحربية فقط، وإنما على تنوع وسائل الإطلاق والقدرة على البقاء والإنذار المبكر وأنظمة القيادة والسيطرة. وتظل الترسانة النووية عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية العسكرية الروسية، بينما تشير التقديرات الحديثة إلى استمرار موسكو في تحديث مكوناتها النووية، رغم التحديات التي تواجه بعض برامج التطوير.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.