مصر تبحث عن مقاتلة الجيل الخامس.. سو-57 وJ-35 وقآن تتنافس على احتياجات القاهرة
كتبت: جهاد علي
مع التحول المتسارع في ميزان القوة الجوية بالشرق الأوسط، تتزايد أهمية امتلاك مصر لمقاتلة من الجيل الخامس، خاصة مع توسع إسرائيل في تشغيل مقاتلات F-35I «أدير» وتعزيز قدراتها الجوية الشبحية. وفي هذا السياق، تبرز أمام القاهرة عدة بدائل خارج الولايات المتحدة، في مقدمتها المقاتلات الروسية والصينية والتركية، مع اختلاف طبيعة كل خيار ومستوى التعاون الصناعي والتكنولوجي الذي يمكن أن يوفره.
سباق الجيل الخامس يفرض خيارات جديدة أمام مصر
تأتي هذه التحركات المحتملة في إطار سعي مصر للحفاظ على قدرتها على موازنة التطورات النوعية في المنطقة، إذ لم يعد التفوق الجوي يعتمد فقط على أعداد الطائرات أو مدى الصواريخ، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بقدرات التخفي والاستشعار والحرب الإلكترونية ودمج البيانات، إلى جانب القدرة على العمل ضمن شبكة متكاملة في بيئات جوية عالية التهديد.
وفي الوقت الذي لا تمتلك فيه القوات الجوية المصرية مقاتلة شبحية من الجيل الخامس في الخدمة الفعلية حتى الآن، تبرز ثلاثة مسارات محتملة أمام القاهرة، هي سو-57 الروسية، وJ-35 الصينية، وقآن التركية، مع اختلاف كبير بين هذه الخيارات من حيث مستوى نضج البرامج وطبيعة التعاون وإمكانية التصنيع المحلي.
سو-57 الروسية.. خيار حاضر أمام القاهرة
من الجانب الروسي، تبرز سو-57 إي باعتبارها المقاتلة الشبحية التصديرية الأهم لدى موسكو. وتجمع الطائرة بين خفض البصمة الرادارية والسرعة العالية والقدرة على المناورة، إلى جانب حمل مجموعة متنوعة من الأسلحة جو-جو وجو-أرض، ما يجعلها مرشحة لتكون رأس حربة في أي قوة جوية تسعى إلى امتلاك قدرات الجيل الخامس.
ويكتسب الخيار الروسي أهمية إضافية مع عرض موسكو لمقاتلة سو-57 إي في معرض العلمين الدولي للطيران 2026 في مصر، وهو ما منح الجانب المصري فرصة لمعاينة المقاتلة بصورة مباشرة والتعرف على قدراتها وإمكاناتها التصديرية.
كما تمتلك القاهرة خبرة سابقة في تشغيل معدات روسية متقدمة، بما في ذلك مقاتلات ميج-29 إم ومنظومات دفاع جوي مختلفة، وهو ما قد يسهل نظريًا تقييم خيار روسي جديد.
لكن سو-57 إي تواجه في الوقت نفسه مجموعة من التحديات، أبرزها تأثير العقوبات الدولية على روسيا، ومحدودية حجم الإنتاج مقارنة ببعض برامج المقاتلات الغربية، إلى جانب الضغوط السياسية التي قد تتعرض لها الدول التي تختار الحصول على أنظمة روسية متقدمة.
وسبق لمصر أن واجهت تهديدًا أمريكيًا مباشرًا بفرض عقوبات بسبب صفقة مقاتلات سو-35 الروسية. ففي أبريل 2019، حذر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو القاهرة من أن إتمام الصفقة سيجعلها عرضة للعقوبات بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات «كاتسا»، مؤكدًا أن القانون يلزم بفرض عقوبات في حال شراء الأنظمة الروسية المعنية.
وتجددت التحذيرات في نوفمبر 2019، عندما هدد مسؤولون أمريكيون بفرض عقوبات على مصر، بل وأشاروا إلى احتمال تأثير ذلك على صفقات التسليح الأمريكية المستقبلية، إذا مضت القاهرة في شراء أكثر من 20 مقاتلة سو-35 روسية ضمن صفقة قدرت قيمتها بنحو ملياري دولار.
وفي النهاية، لم تدخل سو-35 الخدمة لدى القوات الجوية المصرية، وانتهى مسار الصفقة دون تسليم المقاتلات إلى القاهرة. ولذلك تبقى تجربة سو-35 عاملًا مهمًا عند تقييم أي توجه مصري مستقبلي للحصول على مقاتلة روسية متقدمة، ولا سيما سو-57 إي، إذ قد تأخذ القاهرة في الاعتبار مجددًا مخاطر العقوبات وتأثيرها المحتمل على علاقاتها العسكرية مع واشنطن.
J-35 الصينية.. بوابة الجيل الخامس من الشرق
أما الصين، فتقدم خيارًا مختلفًا يتمثل في J-35، وهي مقاتلة شبحية حديثة تنتمي إلى الجيل الخامس، وتستهدف توفير قدرات متقدمة في مهام التفوق الجوي والهجوم مع تقليل فرص اكتشافها بواسطة الرادارات.
ويأتي الاهتمام المحتمل بالخيار الصيني في ظل التطور الملحوظ للعلاقات العسكرية بين القاهرة وبكين، والذي تجاوز التعاون التقليدي ليشمل تدريبات جوية مشتركة، وظهور مقاتلات صينية متقدمة في مصر، بما في ذلك J-16 وJ-10C.
وتمنح هذه العلاقة القاهرة فرصة للتعرف بصورة عملية على قدرات الطائرات الصينية، كما أن دخول J-35 إلى السوق التصديرية يمكن أن يفتح الباب أمامها لتكون أحد البدائل المتاحة أمام الدول التي تبحث عن مقاتلة شبحية دون الاعتماد على الولايات المتحدة.
وتبرز أهمية الخيار الصيني كذلك في إمكانية ربط المقاتلة مستقبلًا بمنظومة أوسع من المعدات الصينية، بما في ذلك الرادارات والطائرات غير المأهولة وأنظمة الحرب الإلكترونية والاتصالات، وهو ما قد يمنح القاهرة قدرة على بناء منظومة قتالية متكاملة بدلًا من شراء منصة منفردة.
قآن التركية.. مقاتلة قد تقدم لمصر أكثر من مجرد شراء
لكن الخيار الأكثر اختلافًا يتمثل في المقاتلة التركية قآن، إذ لا يرتبط الحديث عنها بالنسبة إلى مصر باحتمال شراء طائرات جاهزة فقط، وإنما بتقارير تحدثت عن إمكانية مشاركة القاهرة في البرنامج نفسه.
وتشير تقارير إلى بحث إمكانية انضمام مصر كشريك في مشروع قآن، بما قد يتيح لها المشاركة في التطوير وتصنيع بعض المكونات، وربما الاستفادة من نقل التكنولوجيا. وإذا تحول هذا الطرح إلى اتفاق رسمي، فسيكون مختلفًا جذريًا عن صفقة شراء تقليدية، لأنه قد يمنح مصر موطئ قدم في سلسلة إنتاج مقاتلة شبحية من الجيل الخامس.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، التي تسعى منذ سنوات إلى توسيع قاعدة التصنيع العسكري المحلي وزيادة نسبة المكونات المنتجة داخل البلاد. فالمشاركة في برنامج قآن يمكن أن تمنح الصناعات المصرية خبرات في مجالات مثل المواد المركبة والهياكل الجوية والإلكترونيات وأنظمة المهام وتقنيات خفض البصمة الرادارية.
كما أن التقارب المصري التركي خلال السنوات الأخيرة يوفر بيئة سياسية وعسكرية أكثر ملاءمة لمثل هذا النوع من التعاون، خاصة مع توسع التدريبات المشتركة وتعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين.
وشهد معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026 توقيع اتفاقيات ومذكرات تعاون مصرية تركية، بالتزامن مع حضور قوي لشركات الدفاع التركية، وفي مقدمتها أسيلسان وMKE وتوساش.
ولم يقتصر التعاون على عرض المنتجات، إذ كشفت MKE خلال المعرض عن تأسيس شركة تابعة لها في القاهرة باسم «ظفر»، مملوكة بالكامل للمؤسسة التركية وتعمل وفق القانون المصري، بهدف توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية، مع حديث الجانب التركي عن الانتقال من التصدير إلى الإنتاج المشترك.
كما أشار المدير العام لـMKE إلى تنامي الاهتمام المصري بمنظومة الدفاع الجوي التركية «تولغا»، وهو تطور مهم في سياق الحديث عن احتمال تعاون مصر وتركيا في برنامج قآن، لأنه يعكس توجهًا نحو بناء شراكات صناعية دفاعية داخل مصر، وليس مجرد شراء معدات تركية جاهزة.
لماذا تبحث مصر عن مقاتلة شبحية؟
يرتبط التحرك المصري المحتمل نحو مقاتلات الجيل الخامس بدرجة كبيرة بالتغير الذي طرأ على طبيعة التهديدات الجوية في المنطقة. فامتلاك إسرائيل لأسطول متزايد من مقاتلات F-35I يمنحها قدرة نوعية في مجالات التخفي والاستشعار والاختراق والهجوم، وهو ما يفرض على القوى الجوية الإقليمية التفكير في كيفية التعامل مع هذا النوع من المنصات.
ومن هنا، فإن امتلاك مصر لمقاتلة شبحية لن يكون بالضرورة بهدف الدخول في سباق عددي مع إسرائيل، وإنما للحصول على قدرة نوعية وردعية تمكنها من العمل في بيئات شديدة التعقيد، وتنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم، والاستفادة من المستشعرات المتقدمة، والعمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة وحرب إلكترونية متكاملة.
لكن المقاتلة الشبحية وحدها لا تصنع التفوق الجوي، إذ تعتمد فعاليتها على منظومة واسعة تشمل طائرات الإنذار المبكر والرادارات والحرب الإلكترونية والتزود بالوقود جوًا والاستطلاع والصواريخ بعيدة المدى وشبكات القيادة والسيطرة.
وهنا تستفيد مصر من امتلاكها أسطولًا متنوعًا يضم رافال الفرنسية وF-16 الأمريكية وميج-29 إم الروسية، بما يمنحها خبرة في تشغيل منظومات من مصادر مختلفة، رغم أن دمج مقاتلة شبحية جديدة سيظل تحديًا تقنيًا وعملياتيًا كبيرًا.
وبالنظر إلى الخيارات الثلاثة، تبدو سو-57 إي خيارًا روسيًا ناضجًا نسبيًا ومتاحًا للتصدير، بينما تمثل J-35 بوابة صينية إلى تكنولوجيا الجيل الخامس، في حين تقدم قآن احتمالًا أكثر طموحًا يقوم على الشراكة الصناعية ونقل التكنولوجيا بدلًا من الاكتفاء بشراء الطائرات.
وبالتالي، فإن القرار المصري المحتمل لن يتعلق فقط باختيار المقاتلة ذات الأداء الأفضل، بل سيشمل مجموعة أوسع من الاعتبارات، بينها السعر والتسليح والاستقلالية في التشغيل ونقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي وقطع الغيار والتدريب وإمكانية دمج المقاتلة مع أسطول القوات الجوية المصرية الحالي.
وفي ظل هذه المعادلة، قد تصبح المنافسة بين روسيا والصين وتركيا على تلبية احتياجات مصر من مقاتلات الجيل الخامس أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة، فالقاهرة لا تبحث فقط عن طائرة شبحية، وإنما قد تسعى إلى الجمع بين القدرة القتالية المتقدمة والاستقلالية الصناعية والتكنولوجية.
وإذا تحولت هذه الاهتمامات إلى صفقات فعلية، فإن دخول مقاتلة شبحية روسية أو صينية إلى الخدمة المصرية سيشكل تحولًا نوعيًا في القوة الجوية، بينما سيكون الانضمام إلى برنامج قآن كشريك صناعي خطوة أكثر عمقًا، لأنها قد تضع مصر داخل منظومة تطوير وإنتاج مقاتلات الجيل الخامس بدلًا من أن تظل مجرد مستخدم لها.