قمة العلمين الثلاثية.. الطاقة والاستثمار والأمن تعيد رسم تحالف مصر واليونان وقبرص
كتبت: جهاد علي
لا تأتي القمة المصرية القبرصية اليونانية في العلمين اليوم باعتبارها مجرد اجتماع دوري بين ثلاث دول تجمعها علاقات سياسية متقاربة، وإنما تنعقد في توقيت تتحول فيه هذه الشراكة تدريجيا إلى منصة لمصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية تمتد من الطاقة والغاز إلى الكهرباء والاستثمار والسياحة، بالتوازي مع تنسيق المواقف تجاه أزمات المنطقة.
ويستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، على هامش افتتاح النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، قبل عقد لقاءين ثنائيين مع كل منهما، إلى جانب قمة تجمع قادة الدول الثلاث لبحث مجالات التعاون المشترك والتطورات الإقليمية والدولية.
لماذا يكتسب «مثلث المتوسط» أهمية خاصة؟
على مدار السنوات الماضية، انتقلت آلية التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان من مجرد إطار للتشاور السياسي إلى شراكة متعددة المجالات، مستفيدة من الموقع الجغرافي للدول الثلاث.
فمصر تمثل بوابة رئيسية إلى العالم العربي وأفريقيا، بينما تمثل اليونان وقبرص امتدادا مهما نحو الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح القاهرة مساحة أوسع للتحرك في ملفات الطاقة والأمن والاستثمار والنقل والتجارة، إلى جانب تنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية.
وكانت القمة الثلاثية العاشرة قد عقدت في القاهرة في يناير 2025، وجددت خلالها الدول الثلاث التزامها بتعزيز السلام والاستقرار والتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة، مع التأكيد على مواصلة تنفيذ المشروعات المشتركة وتطوير مجالات التعاون.
الطاقة.. كلمة السر في الشراكة
يأتي ملف الطاقة في مقدمة المصالح التي تجمع الدول الثلاث، في ظل الموقع الاستراتيجي لشرق المتوسط وما يحتويه من موارد للغاز الطبيعي، إلى جانب امتلاك مصر بنية أساسية وخبرات واسعة في مجال معالجة وإسالة الغاز.
وخلال قمة القاهرة عام 2025، أكدت الدول الثلاث أهمية تعزيز التعاون في مجال الغاز الطبيعي، وتطوير البنية الأساسية اللازمة لنقل الغاز، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، بالتوازي مع التوسع في الطاقة المتجددة والتكنولوجيات الخضراء.
ولا يتوقف التعاون عند الغاز، إذ يمثل الربط الكهربائي مع أوروبا أحد الملفات الاستراتيجية التي يمكن أن تعزز موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة، من خلال الاستفادة من قدراتها في إنتاج الكهرباء والطاقة المتجددة وربطها بالأسواق الأوروبية.
من غاز شرق المتوسط إلى السوق الأوروبية
وتزداد أهمية التعاون في مجال الغاز مع التطورات التي شهدتها العلاقات المصرية القبرصية، خاصة بعد توقيع اتفاق إطار للتعاون في الغاز الطبيعي في مارس 2026، بما يمهد لمزيد من التعاون بشأن استغلال احتياطيات الغاز القبرصية، ومنها حقلا «كرونوس» و«أفروديت»، مع إمكانية نقل الغاز إلى مصر لمعالجته وإسالته وإعادة تصديره.
وتكشف هذه المعادلة عن إحدى أبرز نقاط القوة في الشراكة الثلاثية؛ فقبرص تمتلك موارد غازية في شرق المتوسط، بينما تمتلك مصر البنية التحتية والخبرة اللازمة لمعالجة وإسالة الغاز، في حين تمثل اليونان بوابة مهمة نحو الأسواق الأوروبية.
الاقتصاد والاستثمار.. الوجه الآخر للقمة
لا تقتصر الشراكة بين القاهرة ونيقوسيا وأثينا على الطاقة، وإنما تمتد إلى قطاعات التجارة والاستثمار والنقل والسياحة والتعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والابتكار والذكاء الاصطناعي.
وفي اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بالرئيس القبرصي اليوم، جرى التأكيد على أهمية الارتقاء بمستوى التعاون في المجالات التجارية والاستثمارية والطاقة والسياحة والنقل، مع التشديد على أهمية التعاون الثلاثي بين الدول الثلاث.
وتمنح هذه المجالات التعاون الثلاثي بعدا اقتصاديا متزايدا، خاصة في ظل سعي الدول الثلاث إلى جذب الاستثمارات وتوسيع حركة التجارة وتعزيز الترابط بين أسواق المنطقة وأوروبا.
القضية الفلسطينية وأزمات المنطقة
إلى جانب المصالح الاقتصادية، يحتفظ التعاون الثلاثي ببعد سياسي وأمني واضح، إذ تتيح الآلية لمصر واليونان وقبرص تنسيق المواقف بشأن التطورات في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقطاع غزة، إلى جانب ملفات الأمن الإقليمي والهجرة غير الشرعية والإرهاب والجريمة المنظمة والتطورات في شرق المتوسط.
وتنعقد القمة الحالية في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، ما يجعل التنسيق بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا يتجاوز التعاون الاقتصادي إلى محاولة بناء مواقف أكثر تنسيقا تجاه التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة.
جسر بين مصر وأوروبا
وتكتسب الشراكة أهمية إضافية بالنسبة لمصر من عضوية اليونان وقبرص في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل العلاقات الثلاثية إحدى القنوات المهمة لتعزيز التواصل المصري مع المؤسسات والأسواق الأوروبية.
كما تأتي هذه الشراكة في ظل تطور العلاقات المصرية الأوروبية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» منذ عام 2024، بما يفتح مجالات أوسع أمام مصر للاستفادة من موقع اليونان وقبرص داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في ملفات الاستثمار والطاقة والنقل والتجارة.
من مثلث سياسي إلى شبكة مصالح
وبذلك لم يعد التعاون المصري القبرصي اليوناني مجرد تحالف سياسي مرتبط بظروف إقليمية معينة، وإنما تحول إلى شبكة من المصالح المتداخلة؛ فالغاز يحتاج إلى بنية تحتية، والطاقة تحتاج إلى شبكات ربط، والاستثمار يحتاج إلى أسواق، والأسواق تحتاج إلى طرق نقل، وكل ذلك يرتبط في النهاية بالاستقرار السياسي والأمني في شرق المتوسط.
ومن هنا تكتسب قمة العلمين أهميتها، فهي لا تبحث فقط في استمرار آلية التعاون الثلاثي، وإنما في كيفية تحويلها إلى مشروعات ومصالح أكثر ارتباطا باقتصادات الدول الثلاث وموقعها في خريطة الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وتشير طبيعة الملفات المطروحة إلى أن «مثلث المتوسط» يتجه إلى مرحلة أكثر عملية، يصبح فيها التعاون الاقتصادي والطاقة والاستثمار أدوات لتعزيز الحضور السياسي والأمني للدول الثلاث، وربط المصالح المصرية بشرق المتوسط والأسواق الأوروبية.