ترسانة الصين الصاروخية.. كيف بنت بكين واحدة من أقوى منظومات الردع في العالم؟
جهاد علي
تحولت القوة الصاروخية الصينية خلال العقود الأخيرة إلى أحد أهم ركائز الاستراتيجية العسكرية لبكين، بعدما انتقلت من دورها التقليدي كأداة للدعم الناري إلى عنصر رئيسي في منظومة الردع النووي والتقليدي، مستندة إلى ترسانة متنوعة تضم صواريخ باليستية عابرة للقارات، وأخرى متوسطة وقصيرة المدى، إلى جانب أسلحة فرط صوتية وصواريخ بحرية وجوية متطورة.
ويعد هذا التحول أحد أبرز ملامح التحديث العسكري الصيني، إذ تركز بكين على بناء منظومة متكاملة تمنحها القدرة على حماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز نفوذها العسكري، خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
رسائل قوة في عرض 2025 العسكري
خلال العرض العسكري الذي نظمته الصين في 3 سبتمبر 2025، كشفت بكين للمرة الأولى عن عدد من أحدث منظوماتها الصاروخية، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة واضحة تؤكد انتقال الصين من مرحلة تطوير القدرات العسكرية إلى مرحلة استعراضها كوسيلة للردع الإستراتيجي.
وتشير تقارير دولية إلى أن الصين استفادت من عدم خضوعها سابقًا لمعاهدات الحد من الصواريخ متوسطة المدى، ما منحها مساحة واسعة لتطوير منظومات تغطي مختلف المديات والمهام القتالية.
DF-41 وDF-61.. عماد الردع النووي
يتصدر DF-41 قائمة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في الترسانة الصينية، إذ يقدر مداه بما بين 12 و14 ألف كيلومتر، مع إمكانية حمل عدة رؤوس نووية مستقلة، ما يمنحه قدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة حول العالم.
كما ظهر للمرة الأولى الصاروخ DF-61، الذي تشير تقديرات إلى أنه يمثل تطويرًا لمنظومة DF-41، ويعتمد على الوقود الصلب ومنصات الإطلاق المتحركة، بما يزيد من مرونة وانتشار القوة النووية الصينية ويصعب استهدافها.
DF-5C.. مدى عابر للقارات
يعد DF-5C أحد أقدم الصواريخ الإستراتيجية التي لا تزال في الخدمة بعد تطويرها، ويعمل بالوقود السائل، فيما تشير تقديرات إلى أن مداه يصل إلى نحو 20 ألف كيلومتر، مع إمكانية حمل عدة رؤوس نووية.
ويمثل هذا الصاروخ جزءًا من منظومة الردع النووي بعيدة المدى التي تعتمد عليها بكين للحفاظ على قدرتها على تنفيذ الضربة الثانية.
الصواريخ المتوسطة.. سلاح مواجهة الأساطيل
تولي الصين اهتمامًا كبيرًا بالصواريخ متوسطة المدى، وعلى رأسها DF-26 المعروف بلقب “قاتل حاملات الطائرات”، بفضل قدرته على استهداف السفن والقواعد العسكرية على مسافات تصل إلى نحو 4 آلاف كيلومتر.
كما لا يزال DF-21 يمثل أحد أبرز عناصر القوة الصاروخية الصينية، حيث يوفر تغطية واسعة لمناطق غرب المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.
DF-17.. التفوق في الأسلحة فرط الصوتية
يشكل DF-17 أحد أبرز الأسلحة الصينية الحديثة، إذ يعتمد على مركبة انزلاقية فرط صوتية قادرة على المناورة أثناء الطيران بسرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت.
ويمنح هذا النوع من الصواريخ الصين قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة مع تقليل فرص اعتراضها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.
الردع البحري والجوي
إلى جانب المنصات البرية، عززت الصين قدراتها البحرية من خلال غواصات Type 094 المزودة بصواريخ JL-2، بينما يجري إدخال الصاروخ الأحدث JL-3 للخدمة مع غواصات الجيل الجديد.
كما تمتلك القوات الجوية الصينية قدرات هجومية بعيدة المدى عبر قاذفات H-6N، التي تحمل صواريخ باليستية وجوالة مخصصة لاستهداف أهداف برية وبحرية.
عائلة YJ.. تهديد متزايد للأساطيل
تضم الترسانة الصينية مجموعة متطورة من الصواريخ المضادة للسفن، أبرزها YJ-12 وYJ-21، التي تتميز بسرعات عالية وقدرات هجومية بعيدة المدى، ما يجعلها من أبرز أدوات استراتيجية منع الوصول ومنع دخول المنطقة (A2/AD).
وتسعى بكين من خلال هذه المنظومات إلى تقليص حرية حركة الأساطيل المعادية، خاصة في بحر الصين الجنوبي وغرب المحيط الهادئ.
سيناريو تايوان في صلب العقيدة الصاروخية
تحتفظ الصين أيضًا بمئات الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، مثل DF-12 وDF-15 وDF-16، التي صُممت لتوفير قدرة عالية على تنفيذ ضربات دقيقة ضد القواعد العسكرية والبنية التحتية في أي مواجهة إقليمية محتملة، خاصة في محيط مضيق تايوان.
ترسانة تتجاوز الردع التقليدي
يرى محللون أن ما تمتلكه الصين اليوم لا يقتصر على امتلاك صواريخ بعيدة المدى أو أسلحة فرط صوتية، بل يعكس بناء منظومة ردع متكاملة تشمل المنصات البرية والبحرية والجوية، إلى جانب أنظمة القيادة والسيطرة والاستطلاع.
وفي ظل استمرار التنافس الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، أصبحت القوة الصاروخية الصينية أحد أبرز عناصر ميزان القوى العالمي، إذ تمثل ركيزة أساسية في حماية المصالح الصينية، وتعزيز الردع، وفرض واقع عسكري جديد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.