قوة الصواريخ الصينية.. كيف بنت بكين واحدة من أخطر ترسانات الردع في العالم؟
جهاد علي
تشهد القوة العسكرية الصينية تطورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة باستثمارات ضخمة في التكنولوجيا العسكرية وتحديث منظومات التسليح، لتصبح قوة الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني (PLARF) أحد أبرز أذرع الردع الاستراتيجي لبكين، وركيزة أساسية في عقيدتها العسكرية الحديثة.
وتصف تقارير عسكرية ودفاعية هذه القوة بأنها من بين الأقوى عالميًا، نظرًا لما تمتلكه من آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، إلى جانب منظومات فرط صوتية متقدمة، تمنح الصين القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى ضد أهداف برية وبحرية، مع الحفاظ على قدرات ردع تقليدية ونووية متطورة.
ترسانة صاروخية متطورة
تعتمد قوة الصواريخ الصينية على مجموعة واسعة من الأنظمة الصاروخية التي تمثل العمود الفقري لقدراتها الهجومية، ويأتي في مقدمتها صاروخ DF-17 المزود بمركبة انزلاقية فرط صوتية، والتي تمنحه قدرة عالية على المناورة واختراق العديد من أنظمة الدفاع الجوي الحديثة.
كما تمتلك الصين صاروخ DF-21D المعروف عالميًا باسم “قاتل حاملات الطائرات”، وهو أول صاروخ باليستي مضاد للسفن في العالم، صُمم لاستهداف حاملات الطائرات والقطع البحرية الكبيرة على مسافات بعيدة، ما يمنح بكين قدرة ردع قوية في البحار، خاصة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتضم الترسانة أيضًا صاروخ DF-26 بعيد المدى، القادر على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف برية وبحرية، مع إمكانية تزويد بعض نسخه برؤوس نووية، إلى جانب الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs)، التي تمثل أساس الردع النووي الصيني، وتستطيع الوصول إلى أهداف تبعد آلاف الكيلومترات.
عنصر حاسم في العقيدة العسكرية
تتولى قوة الصواريخ مسؤولية إدارة الترسانة الصاروخية التقليدية والنووية للصين، ما يمنحها القدرة على استهداف القواعد العسكرية والموانئ ومراكز القيادة والسيطرة ومستودعات الإمداد، إضافة إلى السفن الحربية، وهو ما جعلها أحد أهم أدوات الردع العسكري لبكين.
ويرى خبراء دفاع أن دمج الصواريخ الباليستية مع صواريخ الكروز والأسلحة فرط الصوتية منح الجيش الصيني مرونة كبيرة في تنفيذ العمليات العسكرية، وحول القوة الصاروخية من سلاح مساند إلى عنصر رئيسي في أي مواجهة محتملة.
تقرير البنتاغون.. تحديث عسكري غير مسبوق
كشف التقرير السنوي الرابع والعشرون الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) حول القوة العسكرية الصينية، أن بكين تواصل تنفيذ أكبر عملية تحديث لقواتها المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، مع التركيز على تطوير القدرات النووية والصاروخية والبحرية والجوية.
ووفقًا للتقرير، ارتفع عدد الرؤوس النووية التشغيلية الصينية إلى أكثر من 600 رأس نووي حتى مطلع عام 2024، مقارنة بأكثر من 500 رأس في العام السابق، مع توقعات بتجاوز 1000 رأس نووي بحلول عام 2030، واستمرار الزيادة خلال السنوات التالية.
وأشار التقرير إلى امتلاك الصين نحو 400 صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، إضافة إلى إنشاء ثلاثة حقول جديدة لصوامع الصواريخ تضم نحو 320 صومعة مخصصة لصواريخ الوقود الصلب، فضلًا عن توسيع مواقع صواريخ DF-5 ورفع عدد صوامعها إلى نحو 50 صومعة.
كما أوضح أن صاروخ DF-41 قادر على حمل ما يصل إلى ثلاثة رؤوس نووية، بما يعزز من قدرات الردع النووي الصينية.
أكبر ترسانة فرط صوتية
أكد التقرير أن الصين تمتلك حاليًا أكبر ترسانة من الصواريخ فرط الصوتية في العالم، مع دخول صاروخ DF-27 الخدمة بمدى يتراوح بين 5000 و8000 كيلومتر، إلى جانب استمرار تشغيل صواريخ DF-17 وDF-21D وDF-26، واختبار الصاروخ المضاد للسفن YJ-21 من المدمرات الحديثة من طراز Type 055.
ويمثل هذا التطور نقلة كبيرة في القدرات الهجومية الصينية، خاصة مع صعوبة اعتراض الصواريخ فرط الصوتية مقارنة بالأسلحة التقليدية.
تحديث شامل للقوات المسلحة
لم يقتصر برنامج التحديث العسكري على القوة الصاروخية فقط، إذ أشار تقرير البنتاغون إلى أن البحرية الصينية تمتلك أكثر من 370 سفينة وغواصة، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 435 قطعة بحرية بحلول عام 2030.
كما تضم القوات الجوية عشرات طائرات النقل الاستراتيجي Y-20A وطائرات التزود بالوقود Y-20U، بينما يتجاوز عدد أفراد القوات المسلحة الصينية مليوني جندي عامل، مدعومين بقوات احتياط وقوات شبه عسكرية.
وقدّر التقرير حجم الإنفاق الدفاعي الصيني بما يتراوح بين 330 و450 مليار دولار سنويًا، مع استمرار توسع الوجود العسكري الصيني خارج الحدود، وفي مقدمة ذلك القاعدة العسكرية في جيبوتي.
تحديات الفساد لم توقف التحديث
ورغم التحقيقات التي طالت عددًا من كبار المسؤولين العسكريين خلال عامي 2023 و2024، يرى التقرير أن هذه القضايا لم تؤثر بصورة جوهرية على مسار تحديث الجيش الصيني.
فقد واصلت بكين تنفيذ إصلاحات واسعة شملت إعادة هيكلة بعض الأفرع العسكرية، وإنشاء قوة دعم المعلومات، ونقل مئات الطائرات المقاتلة والقاذفات إلى القوات الجوية، ضمن خطة تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية وتعزيز القدرة على إدارة العمليات المشتركة.
طموح لبناء جيش عالمي
تشير المؤشرات إلى أن الصين تمضي بخطوات متسارعة نحو بناء جيش قادر على العمل عالميًا، مع التركيز على تطوير القدرات النووية والصاروخية والبحرية والجوية، بما يمنحها خيارات عسكرية واسعة في مختلف السيناريوهات، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وقضية تايوان.
ويرى مراقبون أن قوة الصواريخ الصينية أصبحت اليوم أحد أبرز عناصر ميزان القوى العالمي، في ظل استمرار بكين في توسيع ترسانتها وتطوير تقنيات التسليح المتقدمة، بما يعزز مكانتها كإحدى أكبر القوى العسكرية في العالم.
