شهداء أنقذوا الأرواح ودفعوا الثمن.. كيف سطّر رجال الحماية المدنية ملحمة بطولية في حريق منشأة ناصر؟
جهاد علي
مع كل بلاغ عن حريق، تنطلق سيارات الحماية المدنية بأقصى سرعة، بينما تتجه أنظار المواطنين نحو رجال الإطفاء باعتبارهم خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث. لكن في حريق منشأة ناصر، الذي اندلع فجر الثلاثاء داخل ورشة ومخزن أخشاب، تحولت مهمة الإنقاذ إلى واحدة من أكثر المآسي التي شهدتها قوات الحماية المدنية في السنوات الأخيرة، بعدما فقدت ثلاثة من خيرة رجالها أثناء أداء واجبهم.
رحل اللواء الدكتور محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، والنقيب عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد، بعدما واجهوا ألسنة اللهب حتى اللحظة الأخيرة، مقدمين نموذجًا جديدًا للتضحية والفداء في سبيل حماية أرواح المواطنين.
شرارة الحريق.. بلاغ فجرًا وتحرك عاجل
بدأت الواقعة في نحو الساعة الثالثة والنصف فجرًا، عندما اندلع حريق داخل ورشة ومخزن نجارة بحارة عبد التواب المتفرعة من شارع الدمراني بمنطقة منشأة ناصر، وسرعان ما امتدت النيران بسبب وجود كميات كبيرة من الأخشاب والمواد سريعة الاشتعال.
ومع تصاعد ألسنة اللهب، تعالت استغاثات السكان، ليتلقى مركز عمليات شرطة النجدة بالقاهرة البلاغ، وتتحرك على الفور قوات الحماية المدنية إلى موقع الحادث.
17 سيارة إطفاء وقيادات الحماية في قلب النيران
دفعت الإدارة العامة للحماية المدنية بـ17 سيارة إطفاء، وخزانات مياه، وسلم هيدروليكي، للمشاركة في عمليات الإخماد والإنقاذ، بينما أشرف اللواء محمد الشربيني بنفسه على إدارة العمليات ميدانيًا، كما اعتاد في مختلف الحوادث الكبرى.
ولم يتردد رجال الحماية المدنية في اقتحام العقار المشتعل، رغم إدراكهم حجم المخاطر الناتجة عن امتداد النيران إلى الطوابق العليا والعقارات المجاورة، في محاولة لإنقاذ السكان والسيطرة على الحريق قبل توسعه.
بطولة تحت الأنقاض.. إنقاذ 7 أسر قبل الانهيار
وسط الدخان الكثيف وارتفاع درجات الحرارة، واصل النقيب عبد الرحمن العدوي وأمين الشرطة حمد عبد الجواد أداء واجبهما داخل العقار، وتمكنا مع زملائهما من إنقاذ سبع أسر كانت محاصرة داخل المبنى.
وبينما كانت القوات تنفذ عمليات الإخماد والإنقاذ، أدى احتراق الأعمدة الخرسانية إلى انهيار أجزاء كبيرة من العقار على رجال الحماية المدنية.
وسقط عدد من الضباط والأفراد أسفل الأنقاض، في مشهد مأساوي، بينما سارعت فرق الإنقاذ والإسعاف إلى استخراج المصابين ونقلهم إلى المستشفيات.
شهداء الواجب
أسفر الحادث في البداية عن استشهاد النقيب عبد الرحمن العدوي وأمين الشرطة حمد عبد الجواد متأثرين بإصاباتهما البالغة.
أما اللواء الدكتور محمد الشربيني، فقد أصيب بإصابات خطيرة خلال قيادته عمليات الإطفاء، ونُقل إلى المستشفى حيث خضع للعلاج، قبل أن يعلن صباح الأربعاء استشهاده متأثرًا بإصابته، ليلحق بزميليه شهيدي الواجب.
وباستشهاد مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، ارتفع عدد شهداء الحادث من رجال الحماية المدنية إلى ثلاثة، في واحدة من أصعب الحوادث التي شهدها الجهاز.
جنازات عسكرية ومشاهد وداع مؤثرة
شهد مسجد الشرطة بالتجمع الخامس جنازة عسكرية مهيبة للنقيب عبد الرحمن العدوي، بحضور عدد من قيادات وزارة الداخلية، الذين حرصوا على المشاركة في وداع أحد أبطال الحماية المدنية.
كما شيع الآلاف من أهالي قرية شناوي التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية جثمان الشهيد أمين الشرطة حمد عبد الجواد صبرة، في جنازة عسكرية تقدمها مدير أمن المنوفية وعدد من القيادات الأمنية والتنفيذية، وسط حالة من الحزن والفخر بما قدمه الشهيد من تضحية.
ومن المقرر تشييع جثمان اللواء الدكتور محمد الشربيني من مسجد الشرطة بالتجمع الأول عقب صلاة الظهر، بعد استشهاده متأثرًا بإصابته أثناء أداء واجبه.
تحقيقات موسعة لكشف أسباب الحريق
في المقابل، باشرت النيابة العامة تحقيقاتها في الواقعة، حيث انتهت من معاينة موقع الحريق والعقار المنهار، وتبين أن النيران اندلعت داخل ورشة نجارة بالدور الأرضي لعقار مكون من أربعة طوابق، قبل أن تؤدي إلى انهياره بالكامل.
وأمرت النيابة بندب خبراء المعمل الجنائي لرفع الآثار الفنية وتحديد السبب الدقيق لاندلاع الحريق، إلى جانب تشكيل لجنة هندسية لفحص العقارات المجاورة وبيان مدى تأثرها بالانهيار، مع الاستعلام عن الحالة الصحية للمصابين واستكمال سماع أقوال الشهود.
بطولة لا تُنسى
انتهت المهمة التي بدأها رجال الحماية المدنية لإنقاذ المواطنين باستشهاد ثلاثة من أبطالها، بعدما واجهوا النيران والانهيار دون تردد، مؤمنين بأن إنقاذ الأرواح هو رسالتهم الأولى.
ورغم الخسارة الكبيرة التي خلفها الحادث، ستظل تضحيات اللواء محمد الشربيني، والنقيب عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد، شاهدًا على ما يقدمه رجال الحماية المدنية يوميًا من بطولات في مواجهة الأخطار، دفاعًا عن أرواح المواطنين وحمايةً للوطن.
