سو-57D.. لماذا تطور روسيا نسخة ثنائية المقعد من مقاتلتها الشبحية رغم سنوات الجدل؟
جهاد علي
رغم الجدل المستمر الذي يحيط ببرنامج المقاتلة الروسية الشبحية سو-57 (Su-57)، والانتقادات التي تعرض لها على مدار سنوات، فإن الطائرة لا تزال تواصل مسارها التطويري، مدعومة بخبرات تشغيلية متراكمة وتحديثات مستمرة، كان أحدثها ظهور النسخة الثنائية المقعد Su-57D التي نفذت أولى رحلاتها التجريبية الناجحة خلال مايو 2026.
ويمثل ظهور النسخة الجديدة مؤشراً واضحاً على أن موسكو لا تنظر إلى “سو-57” باعتبارها مجرد مقاتلة تقليدية، بل كمنصة قتال شبكية متعددة المهام، قادرة على العمل ضمن منظومات قتالية متكاملة تضم طائرات مأهولة وغير مأهولة.
استمرار تطوير البرنامج رغم التحديات
واجه برنامج سو-57 منذ انطلاقه انتقادات واسعة تتعلق بوتيرة الإنتاج، وتأخر بعض الأنظمة الرئيسية، والعقوبات الغربية التي أثرت على قطاع الصناعات الدفاعية الروسي. ومع ذلك، واصلت روسيا إنتاج المقاتلة وإدخال تحديثات متتابعة عليها، مستفيدة من الدروس المستخلصة من العمليات العسكرية الجارية في أوكرانيا.
ويُنظر إلى النسخة الثنائية المقعد الجديدة باعتبارها دليلاً على استمرار الاستثمار الروسي في البرنامج، خاصة في ظل التوجه العالمي المتزايد نحو دمج الطائرات المأهولة مع الأنظمة غير المأهولة.
تصميم مختلف وقدرات مناورة استثنائية
تعتمد سو-57 على مجموعة من الحلول الهندسية غير التقليدية، أبرزها أسطح التحكم الأمامية المتحركة المعروفة باسم Levcons، إلى جانب حجرات تسليح داخلية كبيرة تتطلب تصميماً هيكلياً متقدماً.
وتصنف المقاتلة الروسية ضمن أكثر الطائرات قدرة على المناورة في العالم، حيث تتمتع بخصائص ديناميكية هوائية متطورة تسمح لها بتنفيذ مناورات حادة في ظروف تشغيلية معقدة، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من السيطرة والثبات أثناء الطيران.
منظومات استشعار وحرب إلكترونية متقدمة
تزود سو-57 بمنظومة استشعار متكاملة تضم عدة رادارات موزعة على هيكل الطائرة، توفر تغطية واسعة تصل إلى نحو 270 درجة، مع تقارير تشير إلى وجود رادار خلفي يمنح تغطية شبه كاملة.
كما تتضمن المقاتلة رادارات تعمل في نطاق L-Band للمساعدة في رصد الطائرات الشبحية، إلى جانب منظومات بحث وتتبع بالأشعة تحت الحمراء، وأنظمة إنذار مبكر ضد الصواريخ، فضلاً عن تجهيزات متطورة للحرب الإلكترونية والتشويش.
وتقوم الطائرة بدمج البيانات الواردة من مختلف المستشعرات في صورة عملياتية موحدة تُعرض عبر شاشة بانورامية داخل قمرة القيادة، ما يعزز وعي الطيار بالموقف القتالي.
تحديات مستمرة.. والمحرك أبرز العقبات
ورغم التطورات المتواصلة، لا يزال برنامج سو-57 يواجه تحديات تقنية وصناعية، أبرزها المحرك.
فالطائرة تعتمد حالياً على محرك Saturn AL-41F1، وهو تطوير لمحرك مستخدم في عائلة مقاتلات فلانكر، إلا أنه لا يحقق جميع المتطلبات المستهدفة لمقاتلة شبحية من الجيل الخامس، خاصة فيما يتعلق بالكفاءة واستهلاك الوقود.
ولهذا، تعمل روسيا منذ سنوات على تطوير محرك الجيل الجديد Izdeliye 30، إلا أن البرنامج تعرض لتأجيلات متكررة، ما دفع إلى تطوير محرك انتقالي يحمل اسم Izdeliye 177 لاستخدامه في الطائرات الحالية والمستقبلية بشكل تدريجي.
Su-57D.. أكثر من مجرد طائرة تدريب
على عكس النسخ الثنائية التقليدية التي تخصص غالباً للتدريب، تبدو Su-57D منصة عملياتية متكاملة صممت لتنفيذ مهام قتالية معقدة.
ويرى مراقبون أن النسخة الجديدة قد تستهدف أسواق التصدير، وعلى رأسها الهند، التي سبق أن انسحبت من البرنامج المشترك مع روسيا عام 2018، لكنها عادت مؤخراً لدراسة إمكانية اقتناء المقاتلة بشروط جديدة تتضمن نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.
إدارة أسراب المسيّرات.. مستقبل الحروب الجوية
السبب الأكثر أهمية وراء تطوير النسخة الثنائية المقعد يرتبط بالتحولات الجارية في طبيعة الحروب الجوية الحديثة.
ففي الوقت الذي تتجه فيه الولايات المتحدة نحو تطوير طائرات مسيرة عالية الاستقلالية، يبدو أن روسيا تتبنى نهجاً مختلفاً يعتمد على وجود مشغل متخصص داخل الطائرة لإدارة أسراب من الطائرات المسيّرة المرافقة.
وفي هذا الإطار، يمكن للنسخة Su-57D أن تؤدي دور مركز قيادة جوي متقدم، يدير عدداً من الطائرات المسيّرة أثناء العمليات القتالية، بما يرفع من فعالية القوة الجوية الروسية في بيئات القتال عالية الخطورة.
مشروع S-70 Okhotnik.. الشريك المستقبلي
يعد مشروع الطائرة المسيّرة الثقيلة S-70 Okhotnik أحد أبرز المشاريع المرتبطة بمستقبل سو-57.
وتتمتع هذه الطائرة بقدرات هجومية متقدمة، وتستطيع تنفيذ ضربات عميقة داخل الأجواء المعادية، كما يمكن تشغيلها بصورة مستقلة جزئياً أو تحت سيطرة مقاتلات سو-57.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن طائرة Su-57D واحدة قد تكون قادرة مستقبلاً على إدارة ما بين 6 و8 طائرات مسيرة من طراز S-70، لتنفيذ عمليات اختراق وضربات بعيدة المدى مع تقليل المخاطر على الطيارين.
رؤية روسية لما بعد أوكرانيا
تكشف التطورات الأخيرة أن موسكو لا تركز فقط على متطلبات الحرب الحالية في أوكرانيا، بل تعمل في الوقت نفسه على بناء نموذج مستقبلي للقوات الجوية يعتمد على الدمج بين المقاتلات الشبحية والطائرات غير المأهولة والأنظمة الشبكية.
وبذلك، تمثل Su-57D خطوة جديدة في مسار تحديث القوة الجوية الروسية، وتجسيداً لرؤية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل مفاهيم القتال الجوي خلال العقود المقبلة.
