أزمة تتجاوز كمية المياه المتاحة
يتكرر الحديث عن نقص المياه في المنطقة العربية باعتباره مشكلة طبيعية مرتبطة بالمناخ الجاف، لكن الصورة أشمل من محدودية الأمطار. فالأمن المائي يعني قدرة المجتمعات على الحصول على مياه كافية وآمنة ومستدامة للشراب والصحة والإنتاج، مع إدارة مخاطر الجفاف والتلوث والفيضانات. ولذلك يمكن أن تواجه مدينة مشكلات مائية رغم وجود محطة تحلية إذا كانت شبكات التوزيع متهالكة أو الطاقة غير مستقرة أو التكلفة تفوق قدرة الأسر على الدفع. كما قد تتعايش وفرة نسبية في منطقة مع نقص حاد في منطقة أخرى داخل الدولة نفسها، ما يجعل الإدارة والعدالة في التوزيع جزءًا من الحل.
لماذا يعد العالم العربي حالة خاصة؟
تتداخل في المنطقة مستويات مرتفعة من الجفاف مع نمو سكاني وتوسع عمراني وضغوط متزايدة على الزراعة والخدمات. وتشير الإسكوا في أطرها الإقليمية إلى الندرة والموارد المشتركة وتغير المناخ باعتبارها تحديات مركزية للأمن المائي العربي. ويختلف وزن كل عامل من بلد إلى آخر؛ فبعض الدول تعتمد على المياه السطحية العابرة للحدود، بينما يرتكز غيرها على المياه الجوفية أو التحلية أو مزيج من المصادر. لذلك لا يفيد نقل تجربة دولة غنية بالطاقة إلى دولة زراعية محدودة الموارد المالية دون دراسة البنية المحلية والظروف الاجتماعية.
التحلية إنجاز تقني وليست حلًا شاملًا
تتيح تحلية مياه البحر مصدرًا مهمًا للمناطق الساحلية، وتساعد في إمداد المدن والصناعات بمياه يمكن الاعتماد عليها عندما تتوافر الطاقة والاستثمارات. لكنها تتطلب منشآت مرتفعة الكلفة نسبيًا وتشغيلًا وصيانة ومعالجة للتأثيرات البيئية المرتبطة بالطاقة وتصريف المحلول الملحي. كما أن نقل المياه المحلاة لمسافات طويلة إلى المناطق الداخلية يضيف تكاليف بنية تحتية وضخ. ومن الخطأ افتراض أن كل متر مكعب تنتجه محطة تحلية يعادل تلقائيًا مترًا مكعبًا يصل إلى المواطن بجودة وسعر مناسبين. نجاح التحلية يتوقف على منظومة كاملة من التخطيط والحماية والتمويل.
الزراعة في قلب المعادلة
تستهلك الزراعة حصة كبيرة من الموارد المائية المتاحة في بلدان عربية عديدة، لكن اختزال النقاش إلى لوم المزارعين يتجاهل مساهمتهم في الأمن الغذائي والعمل الريفي. التحدي هو رفع القيمة الغذائية والاقتصادية المتحققة من كل وحدة مياه مع مراعاة حق صغار المنتجين في الانتقال العادل. ويتطلب ذلك تحسين توقيت الري واختيار محاصيل مناسبة للظروف المحلية وصيانة القنوات وتقليل الفواقد في ما بعد الحصاد. كما ينبغي مراجعة سياسات التسعير والحوافز حتى لا تكافئ استهلاكًا غير مستدام للمياه الجوفية، مع حماية الفئات الأضعف من تكاليف التحول المفاجئ.
المياه الجوفية: رصيد يحتاج إلى حوكمة
يعتمد كثير من التجمعات على مخزونات جوفية تتجدد بسرعات متفاوتة، وبعضها محدود التجدد عمليًا في الأفق الزمني البشري. وعندما يزيد السحب على التغذية الطبيعية تتراجع المناسيب وقد ترتفع الملوحة وتزداد تكلفة الضخ. لا تعالج هذه المخاطر بإضافة آبار جديدة بلا ضوابط، بل بقياس السحب وتحسين نظم الترخيص وتطوير قواعد بيانات مشتركة ومساندة المزارعين على تبني ممارسات أكثر كفاءة. كما تستلزم حماية الجودة مراقبة مخاطر تسرب الملوثات من الصرف والأنشطة الصناعية. الأمن المائي يتطلب حماية المخزون بقدر ما يتطلب البحث عن مصادر جديدة.
الشبكات المتقادمة والمياه غير المحصلة
قد تضيع كميات مهمة من المياه قبل الوصول إلى المستهلك بسبب التسربات أو أخطاء القياس أو التوصيلات غير المنظمة. ويختلف حجم الفاقد من مدينة إلى أخرى، ولذلك ينبغي القياس المحلي قبل إطلاق أحكام عامة. الاستثمار في عدادات دقيقة وصيانة استباقية وتقسيم الشبكات إلى مناطق مراقبة قد يقدم أثرًا ملموسًا بتكلفة أقل من بناء قدرة إنتاجية إضافية في بعض الحالات. لكن تحسين التحصيل يجب ألا يتحول إلى حرمان الفئات الضعيفة من الاحتياجات الأساسية. الهدف شبكة أكثر كفاءة وعدالة، مع معلومات علنية عن جودة الخدمة والشكاوى والانقطاعات.
إعادة الاستخدام ضمن ضوابط الصحة
يمكن لمعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في مجالات مناسبة أن تخفف الضغط على الموارد العذبة، خصوصًا في الري الصناعي أو الزراعي وفق مستويات المعالجة والمعايير الصحية المقررة. غير أن إعادة الاستخدام لا تعني أن أي مياه معالجة تصلح لأي محصول أو نشاط؛ فالمخاطر الميكروبية والكيميائية تختلف وتتطلب مراقبة مستمرة. وتحتاج الجهات المسؤولة إلى قواعد واضحة تحدد الاستخدامات المسموح بها، وخططًا للطوارئ عند تعطل المحطات، ونظام إفصاح يطمئن المجتمع. وتنجح هذه السياسة عندما تعتبر المعالجة خدمة أساسية مستمرة لا مشروعًا إنشائيًا ينتهي عند افتتاح المحطة.
المياه العابرة للحدود والعمل الدبلوماسي
تتشارك دول عربية وغير عربية أحواضًا وأنهارًا ومكامن جوفية، ما يجعل الأمن المائي في بعض الملفات مرتبطًا بالتفاوض وتبادل البيانات والاتفاقات طويلة المدى. ولا يقتصر التعاون على توزيع حصص المياه؛ فقد يشمل الإنذار المبكر للفيضانات والجفاف، وحماية جودة المياه، وتنسيق تشغيل المنشآت وفق الأطر القانونية ذات الصلة. تختلف الحقوق والالتزامات بين الأحواض، ولذلك لا توجد صيغة واحدة قابلة للتطبيق تلقائيًا على الجميع. ومع ذلك فإن بناء الثقة عبر البيانات الفنية والقنوات الدبلوماسية المنتظمة يقلل خطر تحويل الخلافات البيئية إلى أزمات سياسية أوسع.
كيف يدخل المناخ في التخطيط؟
قد تؤثر موجات الحر وتغير أنماط الهطول في الطلب على المياه وإمدادات السدود والتبخر وجودة المخزون. ويحتاج التخطيط الجاد إلى سيناريوهات متعددة لا إلى توقع يقيني واحد، مع استثمارات مرنة يمكن تعديل تشغيلها حين تتغير الظروف. فالاستجابة للجفاف تتطلب خططًا قبل وقوع الأزمة، وتحديد أولويات واضحة للاستهلاك المنزلي والخدمات الحيوية والزراعة، والاحتفاظ بمؤشرات مبكرة للتدخل. كما يجب النظر إلى الترابط بين الماء والطاقة والغذاء لأن قرارًا في أحد القطاعات يمكن أن يرفع تكلفة الآخر أو يقلل قدرته على الاستمرار.
خريطة أولويات عربية قابلة للتطبيق
تبدأ السياسة الفعالة بقياس الموارد والسحب والتسرب والجودة، ثم إصلاح الإدارة وتطوير شبكات الخدمة وحماية المياه الجوفية وتحسين كفاءة الري. وتأتي التحلية وإعادة الاستخدام والتحويلات المائية ضمن مزيج تحدده الجغرافيا والتكلفة والبيئة، لا ضمن منافسة إعلامية على حجم المحطات. وتحتاج الدول إلى نشر بيانات موثوقة وإشراك المجتمعات المحلية وتبادل الخبرات العربية عبر مؤسسات فنية متخصصة. الأمن المائي لا يتحقق بمشروع واحد مهما كبر؛ إنه نتيجة مؤسسات تستطيع الموازنة بين حق الإنسان في الماء والاحتياجات الاقتصادية وحماية نصيب الأجيال القادمة من الموارد.
المصدر المرجعي: https://www.unescwa.org/sites/default/files/inline-files/water-action-decade-booklet_en.pdf. المادة تحليلية تفسيرية مستقلة، وليست نقلًا حرفيًا عن المصدر.