مقالات مقال رأي

الرفاعي عيد يكتب: من يصنع الرأي العام؟

9 أكتوبر 2026 15:30
“
وجهة نظر

الرأي العام لا يُصنع في غرفة واحدة، ولا تملكه مؤسسة واحدة. هو نتيجة تفاعل معقد بين ما يراه الناس وما يسمعونه وما يعيشونه، وبين الإعلام والمنصات الاجتماعية والخبرات الشخصية والشخصيات العامة والدوائر الاجتماعية.

وسائل الإعلام تؤثر، لكنها لا تتحكم بصورة مطلقة. والمنصات الاجتماعية تسرّع انتشار الأفكار، لكنها لا تخلق كل الأفكار من الصفر. الناس أنفسهم يشاركون في تشكيل ما يصبح مهمًا وما يختفي.

حين تتكرر قضية في الحديث اليومي، وفي الأخبار، وعلى المنصات، تبدأ في احتلال مساحة أكبر في وعي المجتمع. لكن كثرة الحديث لا تعني بالضرورة أن القضية هي الأهم موضوعيًا.

هنا تظهر قوة ترتيب الأولويات. ما يوضع أمام الناس باستمرار يصبح جزءًا من جدول اهتمامهم، حتى لو لم تتغير الواقعة نفسها.

المؤثرون والشخصيات العامة كذلك يملكون قدرة على توجيه الانتباه، لكن هذه القدرة لا تعني أن الجمهور بلا إرادة. الجمهور يرفض أحيانًا رسائل كاملة، أو يعيد تفسيرها بطريقة مختلفة عن نية صاحبها.

الرأي العام يتأثر أيضًا بالتجربة المباشرة. المواطن الذي يعيش مشكلة يومية لن يحتاج إلى حملة إعلامية حتى يعرف أنها موجودة.

المشكلة تبدأ عندما نتصور أن الرأي العام شيء واحد متجانس. داخل كل مجتمع توجد فئات مختلفة وأجيال ومناطق واهتمامات، ولذلك قد تكون هناك آراء عامة متعددة حول القضية نفسها.

قياس الرأي العام يحتاج إلى أدوات علمية، لا إلى قراءة التعليقات فقط. ما نراه على منصة اجتماعية قد يمثل مجموعة نشطة لا المجتمع كله.

كذلك، الخوف أو الاستقطاب قد يجعل بعض الناس يخفون آراءهم أو يبالغون فيها.

من يصنع الرأي العام إذن؟ الإعلام يشارك، والسياسيون يشاركون، والمجتمع يشارك، والأحداث نفسها تشارك. لا يوجد صانع واحد.

وهذا مهم للمواطن، لأنه يذكره بأنه ليس مجرد متلقٍ. مشاركته في نشر معلومة أو تصحيحها أو مناقشة قضية تؤثر في البيئة العامة.

لكن هذه القوة تفرض مسؤولية. قبل المشاركة، يجب أن نسأل عن المصدر والسياق.

الرأي العام ليس مصنعًا ينتج نسخة موحدة من الناس. هو تيار متغير يتشكل من ملايين القرارات الصغيرة حول ما نصدق وما نرفض وما نعيد نشره.

ومن المهم في هذه القضايا أن نفرق بين الوصف والتقييم. وجود مشكلة أو اختلاف لا يعني أن هناك تفسيرًا واحدًا صحيحًا بالضرورة، ولذلك يصبح البحث عن المعلومات والسياق أكثر قيمة من الاكتفاء بالانطباع. المواطن الواعي لا يكتفي بأن يعرف ماذا حدث، بل يسأل كيف حدث، ومن المسؤول عنه، وما البدائل الممكنة، وما الآثار المتوقعة لكل اختيار.

وفي النهاية، السياسة لا تصبح أكثر نضجًا بكثرة الشعارات، بل بقدرتنا على مناقشة الوقائع دون تحويل كل اختلاف إلى خصومة. كلما زادت مساحة المعلومات والمساءلة والاحترام، أصبحت القرارات العامة أوضح وأصبح المواطن أقدر على تكوين رأيه بنفسه دون وصاية أو تضليل.

ومن المهم في هذه القضايا أن نفرق بين الوصف والتقييم. وجود مشكلة أو اختلاف لا يعني أن هناك تفسيرًا واحدًا صحيحًا بالضرورة، ولذلك يصبح البحث عن المعلومات والسياق أكثر قيمة من الاكتفاء بالانطباع. المواطن الواعي لا يكتفي بأن يعرف ماذا حدث، بل يسأل كيف حدث، ومن المسؤول عنه، وما البدائل الممكنة، وما الآثار المتوقعة لكل اختيار.

AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.