خراطيم مياه وسلالم حبال وقوارب مطاطية.. كيف قهرت الابتكارات المصرية خط بارليف في حرب أكتوبر؟

6 أكتوبر 2026 14:05

تحل اليوم ذكرى نصر السادس من أكتوبر، الذي شهد نجاح القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس واقتحام تحصينات خط بارليف، في واحدة من أبرز العمليات العسكرية التي أعادت الاعتبار للقدرات المصرية بعد نكسة يونيو 1967.

ولم يعتمد العبور على القوة النيرانية وحدها، بل ارتبط بمجموعة من الأفكار والابتكارات التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها لعبت دورًا مهمًا في التغلب على العقبات الهندسية والتحصينات الإسرائيلية، من بينها خراطيم المياه وسلالم الحبال والقوارب المطاطية، إلى جانب تعطيل مواسير النابلم التي قيل إنها أُعدت لإشعال مياه قناة السويس.

وتستعرض «الشروق» تفاصيل عدد من هذه الوسائل، وفقًا لما ورد في كتب «المعارك الحربية على الجبهة المصرية» للمؤرخ جمال حماد، و«بطولات مصرية.. حكايات من نصر أكتوبر» لمحمد علي سيد، و«يوم الغفران.. حرب غيرت الشرق الأوسط» لإبراهام رابينوفيتش.

خط بارليف.. تحصينات اعتقدت إسرائيل أنها عصية على الاقتحام

أنشأ جيش الاحتلال الإسرائيلي خط بارليف خلال حرب الاستنزاف بهدف تأمين الجبهة الممتدة على ضفاف قناة السويس، وتقليل عدد القوات اللازمة للدفاع عن المنطقة في مواجهة أي هجوم مصري.

واستغرق إنشاء الخط عامين، وتكون من عشرات النقاط الحصينة التي ضمت خنادق ودشمًا رملية ورشاشات ثقيلة، وأحيطت بالأسلاك الشائكة، فيما انتشرت خلفها مساطب مخصصة لتمركز الدبابات والمدافع.

وزادت صعوبة اقتحام التحصينات بسبب الساتر الترابي المقام على ضفة القناة، والذي بلغ ارتفاعه ما يعادل ستة طوابق، مع زاوية ميل جعلت تسلقه مهمة شاقة للقوات المهاجمة.

وكانت النقاط الحصينة تضم مئات الجنود، فيما مثل الساتر الترابي عائقًا أمام الدبابات المصرية، ما جعل التغلب عليه ضرورة أساسية لفتح الطريق أمام القوات التي ستعبر إلى الضفة الشرقية.

خراطيم المياه.. السلاح البسيط الذي فتح الثغرات

كان الساتر الترابي من أكبر العقبات أمام خطة العبور، إذ إن تدميره بالمدفعية كان يحتاج إلى نحو نصف يوم، فضلًا عن احتمالية تعرض القوات لخسائر كبيرة خلال هذه الفترة.

وفي مواجهة هذه المشكلة، تقدم المهندس المصري اللواء باقي زكي بفكرة استخدام المياه لإزالة الرمال، مستلهمًا تجربته من استخدام خراطيم المياه في إزالة الكثبان الرملية خلال تنفيذ مشروع السد العالي في أسوان.

وعرضت قيادة الجيش المصري المقترح، وبدأت تجارب على عشرات الأنواع من مضخات المياه، باستخدام مئات السواتر الرملية، حتى نجحت التجارب في الوصول إلى وسيلة قادرة على تفكيك الساتر الترابي وفتح ممرات للقوات.

وتكون السلاح المائي من مضخة للضغط وضخ المياه، متصلة بمدفع أطلق عليه اسم «البشبوري». وفي يوم العبور، استخدمت القوات المصرية هذه المعدات لفتح نحو 60 ثغرة في الساتر الترابي خلال ثلاث ساعات فقط، ما أتاح عبور الدبابات المصرية إلى سيناء.

سلالم الحبال.. حرفة البحارة تتحول إلى وسيلة للعبور

لم تقتصر الأفكار المستخدمة خلال العبور على الساتر الترابي، إذ احتاجت القوات المصرية إلى وسائل تساعد الجنود على اجتياز الحاجز الرملي بسرعة.

وبحسب اللواء عز الدين سيد، خلال لقاء ببرنامج «الشاهد» على قناة «إكسترا نيوز»، ارتبطت فكرة سلالم الحبال بحرفة التخريز التي كان يستخدمها المراكبية في صناعة سلالم تساعدهم على صعود السفن.

واستدعى الجيش المصري عددًا من الحرفيين المهرة من البحارة للمشاركة في تصنيع هذه السلالم، ووصل عددها إلى نحو 2000 سلم من الحبال.

وساعدت السلالم، وفقًا لتصريحات اللواء رجائي عطية، أحد قادة الصاعقة، في تسهيل سحب المدافع المحمولة مع الجنود، كما قللت الوقت اللازم لتسلق الساتر إلى النصف مقارنة بالوقت الذي كان سيستغرقه الجنود من دون استخدامها، الأمر الذي ساعد على وصول أعداد أكبر من القوات المصرية إلى الجانب الآخر واقتحام تحصينات خط بارليف.

خلطة الأسمنت.. تعطيل مواسير النابلم قبل العبور

إلى جانب الساتر الترابي، ارتبطت خطة العبور بعقبة أخرى تمثلت في ما قيل عن وجود مواسير للنابلم أسفل خط بارليف، أعدت لإشعال مياه قناة السويس في حال اكتشاف محاولة لعبور القوات المصرية.

وتحدث الإعلام الإسرائيلي خلال السنوات السابقة للحرب عن هذه المواسير، وقدرتها على ضخ النابلم وإشعال مياه القناة، في إطار الحرب النفسية التي كانت تستهدف التأثير على معنويات الجيش المصري.

وبحثت الجهات الفنية في القوات المسلحة المصرية عن وسيلة لإفشال هذه الخطة، إلى أن اقترح الضابط إبراهيم شكيب استخدام مادة أسمنتية لسد المواسير، على أن تكون غير متفاعلة مع النابلم.

وفي ليلة الخامس من أكتوبر، وقبل ساعات من بدء عملية العبور، نفذ عشرات من رجال الضفادع البشرية بالجيش المصري عملية غوص للوصول إلى مواسير النابلم وسدها بخلطة الأسمنت، ما أدى إلى تعطيلها ومنع استخدامها عند بدء العبور.

كما وقع المهندس الإسرائيلي المسؤول عن صيانة هذه المواسير، شيمون ياني، في الأسر على يد الموجات الأولى من الجنود المصريين أثناء محاولته تشغيلها.

القوارب المطاطية.. وسيلة العبور الأولى

احتاجت القوات المصرية إلى قوارب يمكن تخزينها ونقلها بسهولة بعيدًا عن أعين القوات الإسرائيلية، فجاءت الزوارق المطاطية كخيار مناسب لتنفيذ المرحلة الأولى من العبور.

وتميزت هذه القوارب بسهولة تخزينها وسرعة تجهيزها، إلى جانب قدرتها على عبور المياه الضحلة، كما أنها كانت مستخدمة من قبل خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن الحصول عليها شكل تحديًا أمنيًا، خشية أن يؤدي استيرادها بصورة مباشرة إلى كشف الاستعدادات المصرية، لذلك جرى إدخالها عبر سفن تجارية ونقلها إلى منطقة الجبهة داخل صناديق لا توحي بطبيعة محتوياتها، في خطة شبيهة بفكرة «حصان طروادة».

50 ألف جندي عبروا القناة خلال 6 ساعات

استخدم جنود المشاة وصائدو الدبابات القوارب المطاطية لتنفيذ المرحلة الأولى من عملية العبور، قبل فتح الثغرات في الساتر الترابي وإقامة الجسور اللازمة لاستكمال انتقال القوات والمعدات.

وتمكنت القوارب من نقل نحو 50 ألف جندي مصري خلال ست ساعات، اقتحموا النقاط الحصينة رغم عدم امتلاكهم في البداية أسلحة ثقيلة.

وفي الوقت نفسه، تولى صائدو الدبابات مواجهة الدبابات الإسرائيلية ومنعها من الوصول إلى القوات المصرية الموجودة عند خط بارليف، بما ساهم في تثبيت القوات على الضفة الشرقية للقناة خلال الساعات الأولى من المعركة.

ابتكارات بسيطة في مواجهة تحصينات ضخمة

تكشف تفاصيل العبور أن التغلب على خط بارليف لم يكن قائمًا على القوة العسكرية التقليدية وحدها، وإنما استفاد أيضًا من حلول هندسية وحرفية بسيطة جرى تطويرها بما يتناسب مع طبيعة المعركة.

فخراطيم المياه حولت الساتر الترابي من عقبة ضخمة إلى عشرات الثغرات خلال ساعات، وسلالم الحبال ساعدت الجنود على اجتياز الحاجز الرملي بسرعة، بينما أتاحت القوارب المطاطية نقل أعداد كبيرة من القوات في المرحلة الأولى من العبور.

وبالتوازي مع ذلك، ساهمت عملية سد مواسير النابلم في إحباط أحد التحديات التي ارتبطت بتحصينات القناة.

وهكذا ارتبطت ذكرى السادس من أكتوبر بمجموعة من المشاهد التي أصبحت جزءًا من الذاكرة العسكرية المصرية، من عبور القناة بالقوارب المطاطية إلى انهيار الساتر الترابي تحت ضغط المياه، لتؤكد أن الابتكار وحسن التخطيط كانا من العناصر التي دعمت عملية العبور واقتحام تحصينات خط بارليف.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.