نحتفل اليوم بذكرى انتصار 6 أكتوبر المجيد، الصفحة المضيئة من تاريخ مصر الحديث، حين عبرت القوات المسلحة قناة السويس وحطمت أسطورة خط بارليف، وبدأت معركة استعادة الأرض والكرامة بعد آثار نكسة يونيو 1967.
لكن معركة أكتوبر لم تكن مواجهة عسكرية خاضها الجنود وحدهم، وإنما كانت ملحمة وطنية شارك فيها الشعب المصري بمختلف فئاته، في صورة عكست التلاحم بين الجبهة الداخلية والقوات المسلحة، وإيمان المصريين بأن المعركة معركة وطن بأكمله.
ويجسد الكاتب الصحفي محمد توفيق هذا المعنى في مقدمة كتابه «شيء من الحرب.. الكعك والبارود»، حين تحدث عن مشاركة المصريين جميعًا في الحرب، من الطبيب والمهندس والمحامي والصحفي والسياسي والعامل والفلاح والرياضي والفنان والميكانيكي، إلى جانب الأطفال والشباب وكبار السن والنساء، مؤكدًا أن الجميع تحولوا إلى جنود في معركة قدموا خلالها نماذج ملهمة للأجيال التالية.
زينب.. 3 قطع صابون و3 علب سجائر للجبهة
بينما كان العدو الإسرائيلي يحاول إعادة ترتيب صفوفه التي بعثرتها القوات المصرية على طول الجبهة، واستدعى ضباطًا سبق لهم الخدمة في حربي 1948 و1956، كان أطفال مصر يبحثون عن أبسط الطرق للمشاركة في دعم الجنود.
ومن بين هذه القصص، ما رواه الكتاب من أرشيف الصحافة عن طفلة تدعى زينب، لم يتجاوز عمرها 10 سنوات، ذهبت إلى جمعية الهلال الأحمر وهي تحمل ثلاث قطع صابون وثلاث علب سجائر.
وعندما سُئلت عن كيفية شرائها لهذه الهدايا، قالت إن والدها يعمل حارسًا لإحدى العمارات، وإنها تساعده منذ اندلاع الحرب في شراء احتياجات السكان من السوق، وتحصل على بقشيش مقابل ذلك، ثم تستخدم ما تجمعه لشراء هدايا للجنود الموجودين على الجبهة.
كانت مساهمة زينب بسيطة في قيمتها المادية، لكنها حملت دلالة كبيرة على حجم المشاركة الشعبية في دعم القوات التي تخوض المعركة على الضفة الأخرى من قناة السويس.
طارق.. خمسة أجهزة راديو من محل والده
وبعد أن قدمت زينب تبرعها وانصرفت، ظهر طفل آخر بين الحشود، محمولًا على الأعناق، قبل أن يتبين للمسؤولين أن الطفل، ويدعى طارق حسني، يبلغ من العمر 12 عامًا، وجاء محملًا بخمسة أجهزة راديو ترانزستور.
وكانت قيمة جهاز الراديو الواحد ستة جنيهات، إلا أن المفاجأة لم تكن في قيمة التبرع، وإنما في إصرار الطفل على الحضور بنفسه رغم إصابته بالشلل النصفي.
وكانت أجهزة الراديو من محل يملكه والده، وأمام إصرار طارق وإلحاحه على تقديم الهدية بنفسه، حمله أقاربه على أعناقهم حتى يتمكن من الوصول إلى المسؤولين عن جمع التبرعات وتسليم ما جاء به للجنود.
مها.. «ثمن تورتة عيد ميلادي»
ومن بين النماذج التي سجلها الكتاب أيضًا قصة التلميذة مها صلاح الدين، من مدرسة بورسعيد الخاصة، التي حضرت لتقديم جنيهين لصالح المجهود الحربي.
وعندما سُئلت عن مصدر المبلغ، كشفت أنه كان مخصصًا لشراء تورتة عيد ميلادها، لكنها قررت التنازل عنه لصالح الجنود، متمنية أن تصل قيمة التورتة إليهم.
لم تكن مها تملك الكثير، لكنها اختارت أن تحول ما كان مخصصًا لاحتفال شخصي إلى مساهمة في المجهود الحربي، في صورة تختصر حجم المشاعر الوطنية التي صاحبت حرب أكتوبر.
عزة.. حصالة طفلة تتحول إلى حلوى للجرحى
وفي المنصورة، شاهدت التلميذة الصغيرة عزة حطام طائرات «الفانتوم» الإسرائيلية أمام مبنى المحافظة، فما كان منها إلا أن عادت إلى منزلها، وحطمت حصالتها، واشترت بكل ما تحتويه من أموال حلوى وجاتوهًا، ثم قامت بتوزيعها على الجنود الجرحى.
وكان المشهد بالنسبة للأطفال الذين عاصروا الحرب مختلفًا عن أي مناسبة أخرى؛ فصور الطائرات المحطمة والجنود والجرحى كانت حاضرة في حياتهم اليومية، وهو ما دفع كثيرًا منهم إلى البحث عن وسيلة للمشاركة، ولو بما يملكونه داخل حصالاتهم.
ثلاثة أشقاء يتنازلون عن مدخراتهم
وفي الإسكندرية، ذهب ثلاثة أطفال أشقاء إلى مبنى المحافظة، وأصروا على مقابلة المحافظ شخصيًا للتأكد من وصول تبرعاتهم إلى الجنود على الجبهة.
وقدم الأخ الأكبر 30 جنيهًا، وسلم شقيقه الثاني 10 جنيهات، بينما قدم الشقيق الأصغر ثلاثة جنيهات، وقال للمحافظ: «ياريت تخلي بالك منهم يا عمو… دول فلوس دفتر التوفير».
ولم تتوقف مشاركة أطفال الإسكندرية عند ذلك، إذ قرر عدد من التلاميذ التنازل عن وجبة الغداء وتخصيص قيمتها للمجهود الحربي، فيما قدمت فتيات مدرسة الرمل مصوغاتهن دعمًا لأبطال النصر.
المعلمون والطالبات.. المجهود الحربي في كل مكان
امتدت المشاركة الشعبية إلى المدارس والمعلمين، حيث تبرع قرابة عشرة آلاف معلم ومعلمة في كفر الشيخ بأجر يوم لصالح المجهود الحربي.
وفي البحيرة، تبرعت مدرسة «كفر عطايا» بثمن المعروضات من الأشغال الفنية، بينما قدمت طالبات مدرسة «القلب المقدس» 163 ملاءة سرير و39 قطعة صوف تريكو للمجهود الحربي.
كما شاركت طالبات وخريجات مدارس فنون التطريز في القاهرة في حياكة بلوفرات تريكو للجرحى، فيما أهدى طلاب مدارس القاهرة «دفايات» للمصابين.
«35 مليونًا شاركوا في الحرب»
تكشف هذه القصص أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة دارت على خطوط المواجهة، وإنما كانت حالة وطنية امتدت إلى البيوت والم