كتب: دينا مجدي
تظل حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، بعدما خاضت القوات المسلحة معركة استعادة الأرض والكرامة، ونجح جيل أكتوبر في تحويل إرادة التحرير إلى واقع، ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس، لتبقى ذكرى السادس من أكتوبر واحدة من أبرز المحطات في وجدان الشعب المصري.
نشأة المشير أحمد إسماعيل وبداية حلمه العسكري
ولد المشير أحمد إسماعيل في 4 أكتوبر 1917 بحي شبرا، ونشأ في بيئة قريبة من الحياة العسكرية، إذ كان والده يعمل ضابطا بوزارة الداخلية. ومنذ صغره، ارتبط اهتمامه بقراءة التاريخ والسيرة وبطولات القادة العسكريين.
حصل على شهادة البكالوريا عام 1934، وتقدم إلى الكلية الحربية مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إلا أن أوراقهما رفضت، فالتحق بكلية التجارة، وواصل دراسته بها لمدة عامين، لكنه لم يتخل عن حلمه بالالتحاق بالكلية الحربية، حتى تمكن من تحقيقه عام 1937.
من ضابط مشاة إلى قائد عسكري بارز
تخرج أحمد إسماعيل في الكلية الحربية برتبة ملازم ثان عام 1938، وعين في سلاح المشاة ضمن الدفعة الثامنة حربية، وعمل ضابط استطلاع وقائدا لفصيلة بإحدى كتائب المشاة.
وكان من بين زملائه في الخدمة الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس محمد أنور السادات، والفريق عبد المنعم رياض، والكاتب يوسف السباعي، والفنان أحمد مظهر.
وتدرج في الرتب والمناصب، فرقي إلى ملازم أول عام 1940، ثم نقيب عام 1942، قبل أن يتولى عام 1948 منصب أركان حرب إحدى كتائب المشاة، ثم قيادة سرية في رفح برتبة رائد.
التفوق في التدريب والتخطيط العسكري
حرص أحمد إسماعيل على تطوير قدراته العسكرية، فشارك في دورة تدريبية عسكرية في دير ياسين بفلسطين، وحقق المركز الأول بين الضباط المصريين والإنجليز المشاركين فيها، ما دفع القيادة العسكرية إلى إيفاده في دورة تدريبية أخرى ببريطانيا، عاد منها محققا المركز الأول بين المشاركين.
وفي عام 1948، التحق بكلية أركان الحرب، إلا أن اندلاع حرب فلسطين أدى إلى توقف الدراسة، وصدر له أمر بالمشاركة في الحرب وإنشاء خط دفاعي بمدينة رفح.
ونجح في إقامة خط دفاعي محكم، ثم كلف بإعداد خطة مماثلة لصد الهجوم الإسرائيلي على مدينة العريش، لتبرز مبكرا قدراته في التخطيط وإدارة العمليات.
العلم العسكري طريقا لصناعة القائد
واصل أحمد إسماعيل دراسته العسكرية، فالتحق عام 1950 بكلية القادة والأركان للقوات المسلحة المصرية للحصول على درجة الماجستير في العلوم العسكرية، وجاء في المركز الأول على دفعته.
وفي عام 1951، رقي إلى رتبة المقدم، ثم اختير مدرسا بكلية القادة والأركان، حيث اهتم بتطوير مستوى الضباط في العلوم العسكرية.
ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952، شهدت القوات المسلحة تغييرات واسعة، وتولى أحمد إسماعيل رئاسة أركان إحدى فرق المشاة، ثم عاد إلى التدريس بكلية أركان الحرب، قبل أن يتولى قيادة الكتيبة السابعة مشاة عام 1953.
صفقة الأسلحة التشيكية وبداية قوات الصاعقة
في عام 1955، شارك أحمد إسماعيل في اللجنة المكلفة بشراء صفقة الأسلحة التشيكية للقوات المسلحة، وفي الفترة نفسها طرح فكرة إنشاء أول وحدة لقوات الصاعقة.
وتكونت الوحدة من مجموعة من الضباط الشباب المتفوقين في العلوم العسكرية، وتولى الإشراف على تدريبهم وإعدادهم، لتصبح نواة لقوات الصاعقة المصرية التي شاركت لاحقا في العديد من العمليات والمعارك.
مواجهة العدوان الثلاثي
تولى أحمد إسماعيل قيادة لواء مشاة عام 1956، وكان من الألوية المتمركزة في سيناء. ومع وقوع العدوان الثلاثي في 29 أكتوبر، شارك بلوائه في التصدي للقوات المعتدية وخاض عددا من المعارك في سيناء.
ثم صدرت إليه التعليمات بالتوجه إلى بورسعيد، وكلف باستلام المدينة عقب انسحاب القوات البريطانية وخروج آخر جندي أجنبي منها. وفي 21 ديسمبر 1956، رفع علم مصر على بورسعيد.
وعقب ذلك، أوفد إلى أكاديمية «فروتز» العسكرية العليا في الاتحاد السوفيتي، حيث واصل تأهيله العسكري، وحقق المركز الأول بين زملائه عند تخرجه عام 1957.
بناء التشكيلات وتطوير القوات المسلحة
تدرج أحمد إسماعيل في المناصب التدريبية والقيادية، فعين كبيرا للمعلمين بالكلية الحربية عام 1959، ثم تولى قيادة فرقة مشاة عام 1962، وعمل على إعادة تشكيلها لتصبح أول تشكيل مقاتل في القوات المسلحة المصرية.
وفي عام 1965 تولى رئاسة هيئة تدريب القوات البرية، وكان يشغل هذا المنصب خلال عدوان يونيو 1967، كما التحق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا وحصل على درجة الزمالة.
من نكسة 1967 إلى حرب الاستنزاف
عقب عدوان يونيو 1967، تولى أحمد إسماعيل رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم قيادة قوات الجبهة غرب قناة السويس، وكانت مهمته إعادة بناء الكفاءة القتالية للقوات المصرية، وإنشاء الدفاعات غرب القناة، وإدارة أعمال القتال خلال حرب الاستنزاف.
وشارك في التخطيط وإدارة عدد من العمليات، من بينها معركة الجزيرة الخضراء ومعركة رأس العش، إلى جانب عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات.
وفي عام 1968 تولى رئاسة هيئة العمليات، ثم عين رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة في مارس 1969 عقب استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض.
رئيسا للمخابرات ثم وزيرا للحربية
شغل أحمد إسماعيل منصب الأمين العسكري المساعد بجامعة الدول العربية، قبل أن يختاره الرئيس محمد أنور السادات في مايو 1971 لرئاسة جهاز المخابرات العامة.
وفي 26 أكتوبر 1972، عين وزيرا للحربية، ثم عين في يناير 1973 قائدا عاما للقوات المسلحة المصرية، وبعد ذلك اختاره مجلس الدفاع العربي قائدا عاما للجبهات الثلاث: الشرقية والشمالية والجنوبية.

أحمد إسماعيل قائد حرب أكتوبر
مع اقتراب موعد حرب أكتوبر، أصبح أحمد إسماعيل في قلب الاستعدادات للمعركة، وتولى قيادة القوات المسلحة خلال واحدة من أهم مراحل التاريخ العسكري المصري.
وفي السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية عملية العبور، وأدار أحمد إسماعيل الحرب باعتباره وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، بالتنسيق مع القيادة السياسية والقيادات العسكرية، وبالتزامن مع العمليات التي نفذتها القوات السورية على الجبهة الشمالية.
ومثلت الحرب محطة فارقة في مسيرته العسكرية، بعدما انتقلت القوات المسلحة من مرحلة إعادة بناء القدرات ورفع الكفاءة القتالية إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة هدفت إلى تحرير الأرض وعبور قناة السويس.

رتبة المشير وتكريم قائد حرب أكتوبر
عقب حرب أكتوبر، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارا بترقية الفريق أول أحمد إسماعيل إلى رتبة المشير، وذلك خلال احتفال مجلس الشعب في 19 فبراير 1974.
وفي 26 أبريل من العام نفسه، عين نائبا لرئيس الوزراء، إلى جانب مناصبه السابقة، لتتوج مسيرته العسكرية التي امتدت من ضابط شاب في سلاح المشاة إلى وزير للحربية وقائد عام للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، إحدى أبرز المعارك في تاريخ العسكرية المصرية.