مقالات مقال رأي

عيد أحمد عيد يكتب: قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. لماذا تأجل النفاذ في اللحظة الأخيرة؟

1 أكتوبر 2026 03:23
“
وجهة نظر

ليس السؤال اليوم: هل كان تأجيل العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد صوابًا أم خطأ؟

فهذا أمر يمكن أن يختلف حوله أهل القانون.

لكن السؤال الأهم، في تقديري، هو: لماذا وصلنا إلى اليوم السابق تقريبًا على الموعد المحدد لبدء العمل بالقانون، ثم اكتشفنا أن المنظومة لم تكتمل بعد؟

قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 لم يظهر فجأة، ولم يكن موعد نفاذه مجهولًا. فقد صدر القانون، وحدد له موعد لبدء العمل، وكان أمام مؤسسات العدالة ما يقرب من عام للاستعداد لهذا اليوم.

ومع ذلك، تقرر إرجاء العمل به لمدة عام آخر، ليبدأ تطبيقه في الأول من أكتوبر 2027.

وهنا لا ينبغي أن ينصرف النقاش إلى مجرد عبارة «تأجيل القانون»، وإنما إلى فلسفة التأجيل وأسبابه ونتائجه.

فالقانون الجديد ليس مجرد تعديل لبعض المواد، وإنما إعادة تنظيم واسعة للإجراءات الجنائية، تمس مراحل الاستدلال والتحقيق والمحاكمة والإعلان والطعن وغيرها من الإجراءات التي تتعامل معها النيابة والمحاكم والمحامون وأجهزة إنفاذ القانون بصورة يومية.

ومن الطبيعي، بل ومن الضروري، أن يحتاج تطبيق مثل هذا القانون إلى استعداد حقيقي.

لكن الاستعداد لا يبدأ قبل التنفيذ بأيام.

القانون لا يعمل على الورق وحده

قد يكون إصدار القانون هو الخطوة الأولى، لكنه بالتأكيد ليس الخطوة الأخيرة.

فإذا كان القانون يستحدث إجراءات إلكترونية، أو يوسع نطاق استخدام الوسائل التقنية، أو يحتاج إلى قواعد بيانات وربط بين الجهات، فإن هذه المنظومة يجب أن تكون جاهزة قبل أن يصبح النص واجب التطبيق.

وإذا كان يحتاج إلى تدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والعاملين في المحاكم والجهات المعاونة، فالتدريب ينبغي أن يسبق النفاذ، لا أن يبدأ معه.

وإذا كان يتضمن إجراءات جديدة في الإعلان أو التحقيق أو المحاكمة، فلا بد من اختبارها عمليًا قبل أن تصبح جزءًا من آلاف القضايا اليومية.

وهنا تظهر أهمية التأجيل.

فإذا كان الهدف منه منح العدالة وقتًا إضافيًا لاستكمال الجاهزية، فهو تأجيل ينبغي أن يُستثمر، لا أن يُهدر.

ولكن يبقى سؤال مشروع

إذا كانت هذه المتطلبات معروفة منذ صدور القانون، فلماذا لم يتم الانتهاء منها خلال الفترة السابقة؟

هذا السؤال لا يعني اتهام أحد بالتقصير، ولا يعني رفض القانون.

إنه سؤال إداري وقانوني طبيعي.

فحين يصدر قانون ويحدد له تاريخ لنفاذه، فإن تحديد هذا التاريخ يفترض أن يكون مبنيًا على تقدير مسبق لحجم الاستعداد المطلوب.

أما أن نصل إلى موعد التطبيق ثم نقرر أن بعض عناصر المنظومة لم تكتمل، فذلك يستوجب على الأقل مراجعة طريقة التخطيط لتنفيذ التشريعات الكبرى.

عام إضافي.. فرصة أم تأجيل للمشكلة؟

العام الذي مُنح قبل التطبيق الجديد يجب ألا يكون مجرد «موعد جديد».

يجب أن يكون عام الاستعداد الحقيقي.

عامًا لاختبار الأنظمة الإلكترونية، وعامًا لتدريب القائمين على التطبيق، وعامًا لمراجعة الإجراءات التي قد تثير إشكالات عملية، وعامًا لتحديد مواطن التعارض أو الصعوبة بين النص الجديد والواقع العملي.

وعامًا لإعطاء المحامي أيضًا فرصة حقيقية لفهم القانون الجديد؛ لأن المحامي ليس متلقيًا للقانون فقط، وإنما شريك أساسي في منظومة العدالة.

والأهم: ألا يتكرر التأجيل

هذه هي النقطة التي يجب أن تشغلنا جميعًا.

إذا كان التأجيل بسبب عدم اكتمال الاستعداد، فليكن هذا العام هو العام الأخير للاستعداد.

فليس من المقبول أن نصل إلى سبتمبر 2027، ثم نسمع السؤال ذاته مرة أخرى: هل المنظومة جاهزة؟

فالعدالة لا تحتمل حالة دائمة من الانتقال بين قانون قديم وقانون جديد.

والمتقاضي لا ينبغي أن يبقى في حالة من عدم اليقين بشأن القواعد الإجرائية التي تحكم دعواه.

قانون الإجراءات الجنائية أخطر من أن يُطبق على عجل

الإجراءات الجنائية ليست مجرد شكليات.

الإجراء قد يكون هو الضمانة التي تحمي حرية إنسان، وقد يكون هو الطريق الذي تُصان به حقوق المجني عليه، وقد يكون هو الوسيلة التي تمنع بطلان إجراء أو ضياع دليل أو إهدار حق في الدفاع.

ولهذا فإن جودة التطبيق لا تقل أهمية عن جودة النص نفسه.

والتأجيل، إذا استُخدم لاستكمال هذه المنظومة، يمكن أن يكون فرصة لإخراج القانون إلى الواقع بصورة أكثر استقرارًا.

أما إذا كان مجرد تأجيل للموعد، دون معالجة أسباب عدم الجاهزية، فلن نكون قد حللنا المشكلة، وإنما أجلناها عامًا واحدًا.

في النهاية

ليس المهم أن يبدأ القانون في موعده بأي ثمن.

وليس المهم كذلك أن يؤجل بلا نهاية.

المهم أن يبدأ حين تكون الدولة ومنظومة العدالة مستعدة فعلًا لتطبيقه.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا خلال هذا العام ليس: متى سيبدأ العمل بالقانون؟

بل: ماذا فعلنا خلال هذا العام حتى يكون القانون جاهزًا للتطبيق عندما يحين موعده؟

فالقوانين لا تنجح بمجرد صدورها في الجريدة الرسمية…

وإنما تنجح عندما تتحول نصوصها إلى إجراءات عادلة ومستقرة يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

رأيك يهمنا

هل أعجبك هذا الموضوع؟

ساعدنا في تحسين المحتوى واختيار الموضوعات التي تهم قراء الدفاع العربي.

i
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟ أرسلها لفريق التحرير وسنراجعها.
AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.